عبد القادر الجيلاني

338

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

وأوقع له القبول العظيم والهيبة التامة في صدور الخلق وهو أحد العلماء العاملين جمع بين علمي الشريعة والحقيقة ، وكان على مذهب أمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي اللّه عنه وإليه سلم قلم الفتوى ببلده وما يليه وإليه انتهت رياسة هذا الشأن في وقته علما وعملا حالا ومقالا وبه غدق الأمر في تربية المريدين بالبصرة وما يليها ، وتخرج بصحبته جماعة من أهل الأحوال وقالوا بإرادته وكان العلماء والمشايخ رضي اللّه عنهم يعظمونه ويبجلونه ويحترمونه ويرجعون إلى قوله وكان يتكلم في البصرة في علمي الشريعة والحقيقة على كرسي عال ويحضر مجلسه المشايخ والعلماء رضي اللّه عنهم ، وكان له كلام نفيس في منهاج الحقائق . منه جحود ما لم يكن عن شاهد مشهود وشاهد الحق يفني شهود الوجود وينفي عين الوسن سكره يزيد على سكر الشراب وأرواح الواجدين عطرة لطيفة وكلامهم يحيي أموات القلوب ويزيد في العقول والوجد يسقط التمييز ويجعل الأماكن مكانا واحدا والأعيان عينا واحدا وأوله رفع الحجاب ومشاهدة الرقيب وحضور الفهم وملاحظة الغيب ومحادثة السر وإياس المفقود وشرط صحة الوجد انقطاع أوصاف البشرية عن التعلق يفني الوجد ومن لا فقد له لا وجد له وهو مقامان ناظر ومنظور إليه فالناظر مخاطب يشاهده الذي وجده المنظور إليه مغيب وقد اختطفه الحق بأول كدّ إليه الوجود يوجب استهلاك العبد وترغيب هذا الأمر ثم ورود ثم شهود ثم وجود فمقدار الوجود ويحصل الخمود وصاحب الوجود محو وصحو فحال صحوه بقاؤه وحال محوه فناؤه بالحق إلى الحق وهاتان الحالتان متعاقبتان أبدا والوجود اسم لثلاثة معان الأول وجود علم الذي يقطع علم الشواهد في صحبته مكاشفة الحق ، والثاني وجود الحق وجودا غير ، والثالث وجود رسم الوجود فإذا كوشف العبد بوصف الجمال سكر القلب فطرب الروح وهام السر وقد قيل في المعنى : فصحوك من لفظي هو الأصل كله * وشكرك من لحظي يبيح لك الشربا فما كلّ ساقيها وما ملّ شارب * لحاظ جمال كاسه يسكر اللبا فكل ما كان في غير الحق لم يخل من حيرة لا حيرة شبهة بل حيرة مشاهدة نور العزة وكلما كان الحق لم يغير عليه غلبة ثم الصحو من الجمع ومنازل الحياة والحياة اسم لثلاث معان . الأول حياة العلم ولها ثلاثة أنفاس : نفس الخوف ونفس الرجاء أو نفس المحبة . والثاني حياة الجمع من موت الفرقة ولها ثلاثة أنفاس نفس الاضطرار ونفس الافتقار ونفس الافتخار . والثالث حياة الوجود من موت الغفلة وهي