عبد القادر الجيلاني

252

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

وثب الجماعة وخدموه فوافقتهم وظننت أنه من بعض الفقهاء فسألت عنه فقالوا : ابن كرم اليهودي عامل دار الضرب وكانت له منزلة وحرمة وكان قد مضى وقعد في صفة مقابلنا فقلت له : قم إلى هنا ، فجاء ووقف بين يدي فقلت له : ويلك حين دخلت توهمت أنك فقيه من فقهاء الإسلام فقمت لك إكراما لذلك ولست ويلك عندي بهذه الصفة ثم كررت ذلك عليه مرارا وهو قائم يقول اللّه يحفظك اللّه يبقيك ثم قلت له : اخسأ هناك بعيدا عنا فذهب وقال : كان لي رسم في رجب من الصدقة الناصرية آخذه من البدرية فاتفق في بعض السنين في يوم الأربعاء وكنت قد مضيت إلى زيارة قبر الإمام أحمد فلما عدت من الزيارة وجدت الناس أخذوا رسومهم وانفصلوا وقيل لي إن رسمك عند ابن توما النصراني قد رفع إليه فامض إليه وخذ منه فقلت واللّه لا أمضي إليه ولا أطلب رزقي من كافر وعدت إلى بيتي متكلا على اللّه سبحانه وأنشدت لنفسي هذه الأبيات : نفسي ما عن ديننا من بدل * فدع الدنيا وخلي جدل ما يساوي أننا نمضي إلى * مشرك إذ ذاك عين الزلل إن يكن دينا علينا فلنا * خالق يقضيه هذا أملي قال ولم يزل ذلك الرسم عند النصراني لا أتعرض لطلبه ولا ينفذه إلى أن قتل لعنه اللّه في جمادى الأولى من السنة الأخرى وأخذ الذهب من داره فنفذ إلى انتهى كلامه . وقال الحافظ بن رجب في طبقاته الفقيه المناظر المحدث الزاهد الواعظ قاضي القضاة شيخ الوقت عماد الدين : قرأ القرآن في صباه وسمع الحديث من والده وعمه عبد الوهاب وذكر جماعة ثم قال وأجاز له أبو العلاء الهمداني وأبو موسى المديني وغيرهم إلى أن قال : وكان ذا لسن وفصاحة وجودة عبارة وأفتى وتولى مدرسة جده إلى أن قال وتوفي الخليفة الناصر وولى ابنه الظاهر وكان من خيار الخلفاء وأحسنهم سيرة وأظهرهم ديانة وصلاحا وعدلا أزال المكوس ورد المظالم واجتهد في تنفيذ الأحكام الشرعية على وجهها حتى قال ابن الأثير لو قيل ما ولي بعد عمر بن العزيز مثله لكان القائل صادقا وكان يختار لكل ولاية أصلح من يجد لها فقلد أبا صالح هذا القضاء بجميع مملكته ويقال إنه لم يقبل إلا بشرط أن يورث ذوي الأرحام فقال له الخليفة : أعط كل ذي حق حقه واتق اللّه ولا تتق أحدا سواه ، وأمره أن يوصل إلى كل من ثبت له حق بطريق شرعي حقه من غير أن يراجعه وأرسل إليه بعشرة آلاف