عبد القادر الجيلاني

21

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

الكاملة فيها : « ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » « 1 » . وهي جنّة القربة لا فيها حور ولا قصور ولا عسل ولا لبن . وينبغي للإنسان أن يعرف مقداره ، ولا يدّعي لنفسه ما ليس بحقّ له . قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه : ( رحم اللّه امرئ عرف قدره ، ولم يتعدّ طوره ، ويحفظ لسانه ، ولم يضع عمره ) . وينبغي للعالم أن يحصّل معنى حقيقة الإنسان المسمّى بطفل المعاني ، ويربّيه بملازمة أسماء التوحيد ، ويخرج من عالم الجسمانيّة إلى عالم الرّوحانيّة ، وهو عالم السّرّ ليس فيه غير اللّه ديّار ، وهو كمثل صحراء من نور لا نهاية له . وطفل المعاني يطير فيها ، ويرى العجائب والغرائب فيها ، لكن لا يمكن الإخبار عنها ، وهي مقام الموحّدين الّذين فنوا من تعيينهم في عين الوحدة ، فليس لهم في السّرّ إلّا رؤية نور جمال اللّه تعالى كما لا يرى إلا اللّه نفسه ، فإذا امتلأت الشّمس فيه ، فلا جرم أنّ الإنسان لا يرى نفسه بمقابلة جمال اللّه تعالى لغلبة الحيرة والمحويّة في نفسه ، وقال الشيخ زين الدين عطاء رحمه اللّه : كما قال عيسى ابن مريم عليه الصّلاة والسّلام : ( لن يلج الإنسان إلى ملكوت السّموات حتّى يولد مرّتين كما يولد الطّير مرّتين ) . والمراد منه تولّد الطّفل المعنويّ الرّوحانيّ من حقيقة قابلية الإنسان ، وهو سرّه ، يظهر وجوده وعلومه من اجتماع نور علم الشّريعة والحقيقة ؛ لأنّ الولد لا يحصل إلّا من اجتماع نطفتين من الرّجل والمرأة كما قال اللّه تعالى : . . . إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ . . . [ الإنسان : الآية 2 ] . وبعد ظهور هذا المعنى يحصل العبور من بحور الخلق إلى قعور الأمر ، بل كلّ العالم في جنب عالم الرّوح كقطرة ماء من بحر . وبعد ذلك تفاض العلوم الرّوحانيّة واللّدنيّة بلا حرف ولا صوت . الفصل الخامس في بيان التوبة والتلقين اعلم أنّ المراتب المذكورة لا تحصل إلّا بالتّوبة النّصوح وبالتّلقين من أهله كما قال اللّه تعالى : . . . وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى . . . [ الفتح : الآية 26 ] . - أي : كلمة

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 3 / 1185 ) ، ومسلم ( 4 / 1174 ) ، وأحمد في المسند ( 2 / 313 ، 369 ، 407 ، 416 ، 438 ) .