عبد القادر الجيلاني

143

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

يعص اللّه تعالى وأنا قد عصيت فلا شك أنه خير مني ، وإن كان كبيرا قال هذا عبد اللّه قبلي ، وإن كان عالما هذا أعطى ما لم أبلغ ، ونال ما لم أنل ، وعلم ما جهلت ، وهو يعمل بعلمه وإن كان جاهلا قال هذا عصى اللّه يجهل وأنا عصيته بعلم ، ولا أدري بم يختم لي وبم يختم له ، وإن كان كافرا قال لا أدري عسى أن يسلم فيختم له بخير العمل ، وعسى أكفر فيختم لي بسوء العمل ، وهذا باب الشفقة والوجل « وأولى ما يصحب وآخر ما يبقى على العباد » ، فإذا كان العبد كذلك سلمه اللّه تعالى من الغوائل ، وبلغ به منازل النصيحة للّه عزّ وجلّ وكان من أصفياء الرحمن وأحبائه ، وكان من أعداء إبليس عدو اللّه لعنه اللّه وهو باب الرحمة ومع ذلك يكون قطع باب الكبر وجبال العجب ، ورفض درجة العلو في نفسه في الدين والدنيا والآخرة ، وهو مخ العبادة ، وغاية شرف الزاهدين ، وسيما الناسكين ، فلا شيء منه فضل ، ومع ذلك يقطع لسانه عن ذكر العالمين وما لا يعني ، فلا يتم له عمل إلا به ، ويخرج الغل والكبر والبغي من قلبه في جميع أحواله ، وكان لسانه في السر والعلانية واحدا ، ومشيئته في السر والعلانية واحدة ، وكلامه كذلك ، والخلق عنده في النصيحة واحد ، ولا يكون من الناصحين ، وهو يذكر أحدا من خلق اللّه بسوء أو يعيره بفعل ، أو يحب أن يذكره عنده واحد بسوء . وهذه آفة العابدين ، وعطب النساك ، وهلاك الزاهدين إلا من أعانه اللّه تعالى وحفظ لسانه وقلبه برحمته وفضله وإحسانه .