عبد القادر الجيلاني
128
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
انظر إلى من ينظر إليك ، وأقبل على من أقبل إليك ، وأحب من يحبك واستجب من يدعوك وأعط يدك من يثبتك من سقطك ويخرجك من ظلمات جهلك ، وينجيك من هلكك ويغسلك من نجاسك ، وينظفك من أوساخك ، ويخلصك من جيفك ونتنك ، ومن أوهامك الردية ، ومن نفسك الأمارة بالسوء وأقرانك الضلال المضلين شياطينك ، وأخلائك الجهال قطاع طريق الحق الحائلين بينك وبين كل نفيس وثمين وعزيز . إلى متى المعاد ، إلى متى الحق ، إلى متى الهوى ، إلى متى الرعونة إلى متى الدنيا ، إلى متى الآخرة ، إلى متى سوى المولى ؟ أين أنت من خالقك والأشياء ، المكون الأول الآخر الظاهر الباطن ، والمرجع والمصدر إليه ، وله القلوب وطمأنينة الأرواح ومحط الأثقال والعطاء والامتنان ، عز شأنه . المقالة الثالثة والستون في نوع من المعرفة قال رضي اللّه عنه وأرضاه : رأيت في المنام كأني أقول يا مشرك بربه في باطنه بنفسه وفي ظاهره بخلقه وفي عمله بإرادته ، فقال رجل إلى جنبي ما هذا الكلام ؟ فقلت هذا نوع من المعرفة . المقالة الرابعة والستون في الموت الذي لا حياة فيه ، والحياة التي لا موت فيها قال رضي اللّه عنه وأرضاه : ضاق بي الأمر يوما فتحرك في النفس ، فقيل لي : ماذا تريد ؟ فقلت أريد موتا لا حياة فيه وحياة لا موت فيها ؟ فقيل لي : ما الموت الذي لا حياة فيه وما الحياة التي لا موت فيها ؟ قلت : الموت الذي لا حياة فيه موتي عن جنسي من الخلق فلا أراهم في الضر والنفع ، وموتي عن نفسي وهوائي وإرادتي ومنائي في الدنيا والأخرى فلا أحس في جميع ذلك ولا أجد . وأما الحياة التي لا موت فيها : فحياتي بفعل ربّي عزّ وجلّ بلا وجودي فيه ، والموت في ذلك وجودي معه عزّ وجلّ ، فكانت هذه الإرادة أنفس إرادة أردتها منذ عقلت .