عبد القادر الجيلاني
126
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
الفناء ، وهو الوصول إلى قرب الحق عزّ وجلّ والمعرفة به ، والاختصاص بالأسرار والعلوم الدينية ، والدخول في بحار الأنوار ، حيث لا تضر ظلمة الطبائع والأنوار ، فالطبع باق إلى أن تفارق الروح الجسد لاستيفاء الأقسام ، إذ لو زال الطبع من الآدمي لالتحق بالملائكة وبطلت الحكمة ، فبقي الطبع يستوفي الأقسام والحظوظ ، فيكون ذلك وظائفا لا أصليّا كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « حبب إلي من دنياكم ثلاث : الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة » فلما فني النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الدنيا وما فيها ردت إليه أقسامه المحبوسة عنه في حال سيره إلى ربه عزّ وجلّ ، فاستوفاها موافقة لربه تعالى والرضا بفعله ممتثلا لأمره ، قدست أسمائه وعمت رحمته ، شمل فضله لأوليائه وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام ، فهكذا الولي في هذا الباب ترد إليه أقسامه وحظوظه مع حظ الحدود ، فهو الرجوع من النهاية إلى البداية ، واللّه أعلم . المقالة الحادية والستون في التوقف عند كل شيء حتى يتبين له إباحة فعله قال رضي اللّه عنه وأرضاه : كل مؤمن مكلف بالتوقف والتفتيش عند حضور الأقسام عن التناول والأخذ ، حتى يشهد له الحكم بالإجابة ، والعلم بالقسمة ، والمؤمن فتاش والمنافق لقاف . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « المؤمن وقاف » « 1 » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » « 2 » فالمؤمن يقف عند كل قسم من مأكول ومشروب وملبوس ومنكوح وسائر الأشياء التي تفتح له فلا يأخذ حتى يحكم له بجواز الأخذ والتناول كحكمه إذا كان في حالة التقوى . أو حتى يحكم له بذلك الأمر إذا كان في حالة الولاية . أو حتى يحكم العلم في حالة البدلية والغوثية ، والفعل الذي هو القدر المحض وهي حالة الفناء ، ثم تأتيه حالة أخرى تتناول كل ما يأتيه ويفتح له ما لم يعترض عليه الحكم والأمر والعلم ، فإذا اعترض أحد هذه الأشياء امتنع من التناول ، فهي ضد الأولى . ففي الأولى الغالب عليه التوقف والتثبت . وفي الثانية الغالب عليه التناول والأخذ والتلبس بالفتوح . ثم تأتي الحالة الثالثة .
--> ( 1 ) رواه البيهقي في الكبرى ( 2 / 341 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 2 / 724 ) ، وابن خزيمة في صحيحه ( 4 / 59 ) ، وابن حبان ( 2 / 498 ) ، والحاكم في المستدرك ( 1 / 116 ) ، ( 2 / 15 ) ، والترمذي ( 4 / 668 ) ، والدارمي ( 2 / 319 ) .