عبد القادر الجيلاني
123
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
فسد الجهات جميعا بتوحيده وإمحاء نفسك ثم فنائك ومحوك وعلمك ، فحينئذ يفتح عين قلبك جهة فضل اللّه العظيم ، فتراها بعيني رأسك إذ ذاك شعاع نور قلبك وإيمانك ويقينك فيظهر عند ذلك النور من باطنك على ظاهرك كنور الشمعة التي في البيت المظلم في الليلة الظلماء ، يظهر من كوى البيت ومنافذه فيشرق ظاهر البيت بنور باطنه ، فتسكن النفس والجوارح إلى وعد اللّه وعطائه عن عطاء غيره ووعد غيره عزّ وجلّ . وارحم نفسك ولا تظلمها ولا تلقها في ظلمات جهلك ورعونتك ، فتنظر إلى الجهات وإلى الخلق والحول والقوة والكسب والأسباب فتوكل إليها ، فتسد عنك الجهات ولم تفتح لك جهة فضل اللّه عزّ وجلّ عقوبة ومقابلة لشركك بالنظر إلى غيره عزّ وجلّ ، فإذا وجدته ونظرت إلى فضله ورجوته دون غيره وتعاميت عما سواه ، قربك وأدناك ، ورحمك ورباك وأطعمك وسقاك ، وداواك وعافاك ، وأعطاك وأغناك ، فلا ترى بعد ذلك لا فقرك ولا غناك . المقالة التاسعة والخمسون في الرّضا على البليّة ، والشكر على النعمة قال رضي اللّه عنه وأرضاه : لا تخلو حالتك إما أن تكون بلية أو نعمة . فإن كانت بلية فتطالب فيها بالتصبر ، وهو الأدنى ، والصبر وهو أعلى منه . ثم الرضا والموافقة ، ثم الفناء ، وهو للأبدال ، وإن كانت نعمة فتطالب فيها بالشكر عليها . والشكر باللسان والقلب والجوارح . أما باللسان فالاعتراف بالنعمة أنها من اللّه عزّ وجلّ : « وترك الإضافة إلى الخلق لا إلى نفسك وحولك وقوتك وكسبك ولا إلى غيرك من الذين جرت على أيديهم ، لأنك وإياهم أسباب وآلات وأداة لها ، وإن قاسمها ومجريها وموجدها والشاغل فيها والمسبب لها هو اللّه عزّ وجلّ والقاسم هو اللّه » والمجرى هو والموجد هو ، فهو أحق بالشكر من غيره . لأنظر إلى الغلام الحمال للهدية إنما النظر إلى الأستاذ المنفذ المنعم بها قال اللّه تعالى في حق من عدم هذا المنظر يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ ( 7 ) [ الرّوم : الآية 7 ] فمن نظر إلى الظاهر والسبب ولم يجاوز علمه ومعرفته فهو الجاهل الناقص قاصر العقل ، إنما سمي العاقل عاقلا لنظره في العواقب .