عبد القادر الجيلاني
121
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
وتغيره ، بل الرضى الدائم والموافقة الأبدية ، فهو آخر ما تنتهي إليه أحوال الأولياء قدست أسرارهم . المقالة السادسة والخمسون في فناء العبد عن الخلق والهوى والنفس والإرادة والأماني قال رضي اللّه عنه وأرضاه : إذا فني العبد عن الخلق والهوى والنفس والإرادة والأماني دنيا وأخرى ولم يرد إلا اللّه عزّ وجلّ وخرج الكل عن قلبه وصل إلى الحق ، واصطفاه واجتباه ، وأحبه وحببه إلى خلقه ، وجعله يحبه ويحب قربه ، ويتنعم بفضله ويتقلب في نعمه وفتح عليه أبواب رحمته ، ووعده أن لا يغلقها عنه أبدا « فيختار العبد حينئذ اللّه ، ويدبر بتدبيره ويشاء بمشيئته ، ويرضى برضاه ويمتثل أمره دون غيره » ، ولا يرى لغيره عزّ وجلّ وجودا ولا فعلا ، فحينئذ يجوز أن يعده اللّه بوعد ثم لا يظهر للعبد وفاء بذلك ، ولا يغير ما قد توهمه من ذلك ، لأن الغيرية قد زالت بزوال الهوى والإرادة فصار في فعل اللّه عزّ وجلّ وإرادته فيصير الوعد حينئذ في حقه مع اللّه عزّ وجلّ كرجل عزم على فعل شيء في نفسه ونواه ثم صرفه إلى غيره كالناسخ والمنسوخ فيما أوحى اللّه عزّ وجلّ إلى نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم قوله عزّ وجلّ : * ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 106 ) [ البقرة : الآية 106 ] ، لما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم منزوع الهوى والإرادة سوى المواضع التي ذكرها اللّه عزّ وجلّ في القرآن من الأسر يوم بدر تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [ الأنفال : الآية 67 ] ، و لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 68 ) [ الأنفال : الآية 68 ] كذا قالوا ، وغيره وهو مراد الحق عز جل لم يترك على حالة واحدة بل نقله إلى القدر إليه فصرفه في القدر وقلبه منها ، نبهه بقوله تعالى : أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ البقرة : الآية 106 ] يعني أنك في بحر القدر تقلبك أمواجه تارة كذا وتارة كذا ، فمنتهى أمر الولي ابتداء أمر النبي ما بعد الولاية والبدلية إلا النبوة ، واللّه أعلم . المقالة السابعة والخمسون في عدم المنازعة في القدر والأمر بحفظ الرضا به قال رضي اللّه عنه وأرضاه : الأحوال قبض كلها ، لأنه يؤمر الولي بحفظها وكل ما يؤمر بحفظه فهو قبض ، والقيام مع القدر بسط كله ، لأنه ليس هناك شيء يؤمر