عبد القادر الجيلاني

117

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

فنقول : صدقت ، غير أن اللّه عزّ وجلّ يواصله بفضله ويدلله بنعمه ويربيه بلطفه ورأفته وبره ورحمته وكرمه ، إذ كف يده عن مصالح نفسه وطلب الحظوظ لها وجلب النفع إليها ودفع الضر عنها ، فهو كالطفل الرضيع الذي لا حراك له في مصالح نفسه وهو مدلل بفضل اللّه عزّ وجلّ ورزقه الدار على يدي والديه الوكيلين الكفيلين ، فلما سلب عنه مصالح نفسه عطف قلوب الخلق عليه وأوجد رحمة وشفقة له في القلوب حتى كل واحد يرحمه ويتعطف عليه ويبره ، فهكذا الكل فإن عن سوى اللّه الذي لا يحركه غير أمره أو فعله مواصل بفضل اللّه عزّ وجلّ دنيا وأخرى مدلل فيهما مدفوع عنه الأذى متولي ، قال تعالى : إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ( 196 ) [ الأعراف : الآية 196 ] . المقالة الثانية والخمسون في سبب ابتلاء طائفة من المؤمنين قال رضي اللّه عنه وأرضاه : إنما يبتلي اللّه طائفة من المؤمنين الأحباب من أهل الولاية ليردهم بالبلاء إلى السؤال فيحب سؤالهم ، فإذا سألوا يجب إجابتهم فيعطي الكرم والجود حقهما لأنهما يطالبان لأنه عزّ وجلّ عند سؤال المؤمنين من الإجابة ، وقد تحصل الإجابة ولا يحصل النقد والنقاد لتعويق القدر لا على وجه عدم الإجابة والحرمان ، فليتأدب العبد عند نزول البلاء ، وليفتش عن ذنوبه في ترك الأوامر وارتكاب المناهي ما ظهر منها وما بطن . والمنازعة في القدر إذا تعاقب عليه ، إنما يبتلى بذلك مقابلة ، فإن انكشف البلاء ، وإلا ، فليتخذ إلى الدعاء والتضرع والاعتذار فيديم بالسؤال لجواز أن يكون ابتلاه ليسأله ، ولا يتهمه لتأخير الإجابة لما بيناه ، واللّه أعلم . المقالة الثالثة والخمسون في الأمر بطلب الرضى من اللّه ، والفناء به تعالى قال رضي اللّه عنه وأرضاه : اطلبوا من اللّه عزّ وجلّ الرضا أو الفناء ، لأنه هو الراحة الكبرى والجنة العالية المنفرة في الدنيا ، وهو باب اللّه الأكبر وعلة محبة اللّه لعبده المؤمن ، فمن أحبه اللّه لم يعذبه في الدنيا والآخرة فيه اللحوق باللّه عزّ وجلّ والوصول إليه ، ولا تشتغلوا بطلب الحظوظ وأقسام لم تقسم أو قسمت ، فإن كانت لم تقسم فالاشتغال بطلبها حمق ورعونة وجهالة ، وهو أشد العقوبات ، كما قيل ؛ من أشد