عبد القادر الجيلاني

100

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

لم يجبك عاجلا أثابك آجلا ، فقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، « والعبد يرى في صحائفه حسنات يوم القيامة لا يعرفها فيقال له إنها بدل سؤالك في الدنيا الذي لم يقدر قضاؤه فيها » « 1 » ، أو كما ورد ثم أقل أحوالك أنك تكون ذاكرا لربك عزّ وجلّ موحدا له حيث تسأله ولا تسأل أحدا غيره ، ولا تترك حاجتك لغيره تعالى ، فأنت بين الحالتين في زمانك كله ليلك نهارك وصحتك وسقمك وبؤسك ونعمائك وشدتك ورخائك ، وإما أن تمسك عن السؤال ، وترضى بالقضاء وتوافق وتسترسل لفعله عزّ وجلّ ، كالميت بين يدي الغاسل ، والطفل الرضيع في يدي الظئر ، والكرة بين يدي الفارس يقلبها بصولجانه ، فيقلبك القدر كيف يشاء ، إن كان النعماء فمنك الشكر والثناء ومنه عزّ وجلّ المزيد في العطاء . كما قال تعالى : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ إبراهيم : الآية 7 ] ، وإن كان البأساء فالصبر والموافقة منك بتوفيقه والتثبت والنصرة والصلاة والرحمة منه عزّ وجلّ بفضله وكرمه كما قال عز من قائل : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [ البقرة : الآية 153 ] بنصره وتثبيته ، وهو لعبده ناصر له على نفسه وهواه وشيطانه . وقال تعالى : إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ [ محمّد : الآية 7 ] إذا نصرت اللّه في مخالفة نفسك وهواك بترك الاعتراض عليه والسخط بفعله فيك وكنت خصما للّه على نفسك سياقا عليها كلما تحركت بكفرها وشركها حززت رأسها بصبرك وموافقتك لربك والطمأنينة إلى فعله ووعده والرضا بهما كان عزّ وجلّ لك معينا وأما الصلاة والرحمة ، فقوله عزّ وجلّ : وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ( 155 ) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 156 ) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ( 157 ) [ البقرة : الآيات 155 - 157 ] . والحالة الأخرى أنك تبتهل إلى ربك عزّ وجلّ بالدعاء والتضرع إعظاما له وامتثالا لأمره ، وفيه وضع الشيء في موضعه ، لأنه ندبك إلى سؤاله والرجوع إليه ، وجعل ذلك مستراحا ورسولا منك إليه وموصلة ووسيلة لديه بشرط ترك التهمة والسخط عليه عند تأخير الإجابة إلى حينها ، اعتبر ما بين الحالتين ولا تكن ممن تجاوز عن حديهما ، فإنه ليس هناك حالة أخرى ، فاحذر أن تكون من الظالمين المعتدين فيهلك عزّ وجلّ ولا يبالي كما أهلك من مضى من الأمم السالفة في الدنيا بتشديد بلائه وفي الآخرة بأليم عذابه .

--> ( 1 ) لم أقف عليه .