عبد القادر الجيلاني
219
السفينة القادرية
فتصرفات اللّه عز وجل كلها في موضعها بلا حاكم يتعقبه ولا حق يترتب عليه خلافا للمعتزلة قبحهم اللّه ، والمراد بقوله الظالم كونه ظالما لنفسه كما قال الحسن البصري رضي اللّه عنه : ظلمنا أنفسنا بالاشتغال بغير اللّه ، وكأنه رأى نفسه أنه اشتغل بأحوال الدنيا وترك الإقبال على خالقها ، وقال ابن عطاء اللّه ظلمنا أنفسنا باشتغالنا بالجنة وطلبها من اللّه ، وقوله يا مآل الظالمين هكذا يوجد في بعض النسخ وفي بعضها لا يوجد ، والظالمين جمع ظالم ومآل الظالمين ورجوعهم إلى اللّه في اليوم الموعود الذي لا يسأل فيه والد على مولود ، والحكم للّه الواحد القهار إن شاء اللّه تعالى ستر العيوب ، وغفر الذنوب ، وإن شاء عذب لا حرج عليه في ذلك ولا منفعة له في طاعة الطائعين ولا مضرة عليه في معصية العاصين ، ولكن هذه الأمة المحمدية ناجية إن شاء اللّه تعالى مغفور لها قال المواق في سنن المهتدين : كان سيدنا عمر بن الخطاب يتلو قوله تعالى : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ « 1 » فلما فرغ من التلاوة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له » « 2 » . هذا وإن السلف الصالح وأهل الحقيقة ومن وفقه اللّه لا يركنون للبطالة اعتمادا على الحديث المذكور . لأن من ركن إليه ولم يتعب نفسه في مرضاة اللّه ومأموراته واجتناب منهايته ، فلا شك أنه مغرور فقد قال السيد معروف الكرخي : طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب والشفاعة بلا سبب نوع من الغرور ، والرجاء في رحمة من لا يطاع حمق وجهالة . * * *
--> ( 1 ) سورة فاطر / آية 32 . ( 2 ) كنز العمال ج 2 / 2925 - رواه ابن مردويه والبيهقي في البعث عن عمر .