عبد القادر الجيلاني
206
السفينة القادرية
قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 1 » ولذا كان اسم عبد اللّه أحب الأسماء إلى اللّه وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : ( لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ولكن قولوا عبد اللّه ورسوله ) « 2 » فاستثبت ما هو ثابت له وأسلم للّه ما هو له ، وقوله ببابك متعلق بمحذوف أي واقف ببابك يا مالكي ، وإضافة عبد للتشريف وكذا جميع ما يأتي من الصفات مضافة لكاف الخطاب . ثم قال : « فقيرك ببابك » أي المفتقر إليك في جميع الحالات ، ومعنى الفقير في اللغة يأتي في قوله مسكينك ببابك ، والاتصاف بالفقر إلى اللّه من أكمل الأوصاف لاقتضائه الغنى عمن سواه تعالى ، وكلامه يرشد إلى حصول صفة الفقر له القاضية بالغنى عمن سواه تعالى كما ترشد إليه الإضافة إلى ضمير الخطاب ، وفقير اللّه في طريقة القوم هو الذي امتلأ قلبه بربه ولا شغل له فيما سواه ، فإذا فنى عن ذكره غيره كان فناء وهو على ثلاثة أقسام فناء في الأفعال لا فاعل إلّا اللّه ، وفناء في الصفات لا حي ولا عالم ولا قادر ولا مريد ولا سميع ولا بصير ولا متكلم على الحقيقة إلّا اللّه ، وفناء في الذات لا موجود على الإطلاق إلّا اللّه وأنشدوا في ذلك : فيفنى ثم يفنى ثم يفنى * فكان فناؤه عين البقاء والاتصاف بصفة الفقر هذا عزيز ، ولذا سأله القطب الشاذلي رضي اللّه عنه حيث قال في حزبه الكبير : نسألك الفقر مما سواك ، لأن من كان افتقاره إلى اللّه انقطعت عنه علائق ما يشغل عن الحق وتمحض للعبودية وبذلك يحصل له الغنى ، ذكر في منهاج العاشقين أن موسى على نبينا وعليه
--> ( 1 ) سورة الذاريات / آية 56 . ( 2 ) رواه البخاري - كتاب أحاديث الأنبياء - باب واذكر في الكتاب مريم ( ج 4 / 204 ) عن عمر بن الخطاب . ولفظه ( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، فإنما أنا عبده فقولوا : عبد اللّه ورسوله ) .