عين القضاة
مقدمة المصحح 30
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
محو الهوة السحيقة التي تفصل الخالق عن المخلوق ؛ فالحلاج يؤكد لنا كما يؤكد لنا عين القضاة من بعده أن الألوهية حلت في قلبه فاضحى وإياها وجودا واحدا . ويروى عن عبد الودود بن سعيد بن عبد الغنى الزاهد قال : رأيت الحلاج دخل جامع المنصور . . . فقال : اعلموا ان اللّه تعالى أباح لكم دمى فاقتلونى . فبكى بعض القوم . فتقدمت من بين الجماعة وقلت : يا شيخ كيف نقتل رجلا يصلى ويصوم ويقرأ القرآن ؟ فقال : يا شيخ المعنى الذي به تحقن الدماء خارج عن الصلاة والصوم وقراءة القرآن ، فاقتلونى تؤجروا واستريح . فبكى القوم وذهب وتبعته إلى داره وقلت : يا شيخ ما معنى هذا ؟ قال : ليس في الدنيا للمسلمين شغل أهم من قتلى . فقلت له : كيف الطريق إلى اللّه تعالى ؟ قال الطريق بين اثنين وليس مع اللّه أحد . فقلت بيّن . قال : من لم يقف على اشاراتنا لم ترشده عباراتنا ثم قال : اأنت أم أنا هذا في الهين * حاشاك حاشاك من اثبات اثنين هوية لك في لائيتى ابدا * كلى على الكل تلبيس بوجهين بيني وبينك أنيّى يزاحمنى * فارفع بأنّيك انّيى من البين لقد كشف اللّه للحلاج عن سر محبته اللامتناهية لأنه اتخذ قلبه عرشا لا لوهيته فهل يكتم عن بني آدم اخوانه حقيقة هذا السر ؟ اما دوت في اذني قلبه الكلمة المأثورة : شر الناس من اكل وحده ؟ انه لا يستطيع ان يخفى ما هو اظهر من الشمس في رابعة النهار ! أضف إلى أنه لا يريد ان يطفئى من قلبه هذه النار الإلهية ولو كلفه ذلك تضحية حياته . أيخاف الموت وهو ينتظره بفارغ الصبر ؟ الا يود العاشق من صميم قلبه ان يفارق كل شئ لينفرد بالمعشوق ؟ وها نحن نرى الحلاج يهمهم نهارا وليلا : اقتلونى يا ثقانى * ان في قتلى حياتي . . . ان عندي محو ذاتي * من اجل المكرمات لوحة « ميناتور » فارسية من القرن الحادي عشر هجرى مخطوطة پاريس رقم 1489 صفحه 226 . أخذنا هذه اللوحة وباقي اللوحات الموجودة في الشكوى من كتاب آلام الحلاج تأليف الأستاذ لويس مسينيون .