عين القضاة
مقدمة 101
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
استيفاء المقدمات التي يتعلق النظر في ذلك الفصل بها ؛ فقد صدّنى عن ذلك انجذاب القلب إلى ما هو أهمّ منه بكثير . نعم وقد أمليت ذلك لجماعة لم أربهم حاجة إلى ما وراء ذلك من المقدمات ، فأوجزت القول لهذين المعنيين . ومن طمع أن يحيط حق الإحاطة بحقائق المعاني المذكورة في هذه الفصول بمجرد مطالعته مرة أو مرتين أو أكثر ، فقد طمع في محال ؛ إنما حقّ لمن يتصفحها ان يكب طول الليل والنهار على ترديد النظر وتكرير التأمل فيها ، حتى تعلق كلّ كلمة على خيالها بحفظه . ثم يصير ما يتفهّمه منها بذرا لفهمه الحقيقي . ولا يتأتى ذلك الا بكثرة الممارسة والصبر عليها ، على تعاقب الليل والنهار . ومهما لم تكن ارض القلب سخة فلا بدّ وأن تقع فيها هذه المعاني وقوع البذر في الأرض الطيبة النقية ؛ ويثمر له ذلك عن قريب إن أحسن القيام على تعهّده بسقى الماء في وقته ، وحفظه عن الآفات العارضة لأمثاله وغير ذلك . فمن وجد في نفسه نفرة عن الصبر على ذلك ، أو لم يكن بالصفة المذكورة في العلم النظري ، فليهجر مطالعة هذا الكتاب ، فلكل عمل رجال وكل ميسّر لما خلق له . وما أنصف القائل حيث قال : إذا لم تستطع امرا فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع فقوة كل طائر على قدر حوصلته « قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ » * . وهل رأيت الكنّاس قط يزاحم الملوك في سلطانهم ؟ هيهات هيهات ! ! ! فكل طريق أتاه الفتى * على قدر الرجل فيه الخطى