عين القضاة

مقدمة 95

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

وإن كانوا « ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ » فإن القيامة في حقهم قائمة لأنهم عند ربهم . ولعل من يقول ؛ أبيت عند ربى « يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ » ، يصدق منه أن يقول : بعثت والساعة كهاتين إن كادت لتسبقنى فسبقتها أنا . واعلم أن الساعة من داخل حجب السماوات والأرض ؛ ومنزلتها من تلك الحجب منزلة الجنين من رحم أمه ؛ ولذلك لا تقوم إلّا « إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها » ، وانشقت السماء واندثرت الكواكب ، وكوّرت الشمس وسيّرت الجبال وعطلّت العشار ، « بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ » . وعلى الجملة « تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ » . فما دام السالك خارج حجب الأرض والسماوات ، فلا تقوم له القيامة ؛ فإنما كانت القيامة داخل الحجب ، لأن اللّه داخل الحجب وعنده علم الساعة ؛ فقوله - عليه الصلاة والسلام - لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول لا اله إلا اللّه معناه : أن الرجل ما دام خارج الحجب ، فالقيامة سر على علمه ، فإذا قطع في سلوكه تلك الحجب وتبحبح في حضرة العنديّة ؛ صار سر القيامة عنده علانية . ولهذا السبب لم يجز أن يرى اللّه أحد أصلا في الدنيا ، لا نبي ولا ولىّ . وأمّا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فإنما رآه ، بعد أن قطع الحجب ليلة المعراج . ولمّا قيل لموسى - عليه السلام - « أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها » . لا جرم لمّا طلب الرؤية قيل له : « لَنْ تَرانِي » . واعلم أن محمدا - صلى اللّه عليه وسلم - إنما كانت القيامة عنده علانية حين قطع حجب