عين القضاة
مقدمة 67
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
فضولا مستغنى عنه . فاجتهد أن تصدق بوجود عين في باطن الآدمي إذا انفتحت كانت مدركاتها من جنس ما أشير اليه في قولنا : أنّ الهوية الأزلية مساوقة الوجود لوجود كل موجود ؛ فإن العقل قاصر عن إدراك ذلك ، فلا محالة يرى بعض الأشياء أقرب إلى الحي القيوم من البعض . ومهما أدركت شيئا واستحال عندك أن تعبّر عنه الا بالعبارات التي يشتمل عليها هذا الفصل من مدركات العارف ، فاعلم يقينا أن عين المعرفة قد انفتحت في باطنك ، وحينئذ تصير علومك المحصلة كلها بذورا لثمرات المعارف . الفصل الواحد والستون ( الفرق بين العلم والمعرفة ) لعلّ نفسك تتشوق إلى ادراك الفرق بين العلم والمعرفة ، فاعلم أن كل معنى يتصوّر أن يعبّر عنه بعبارة تطابق ذلك المعنى ، حتى إذا شرحه المعلم للمتعلم بتلك العبارة مرة أو مرتين أو أكثر ساواه في العلم به ، فهو من العلوم . وكل معنى لا يتصوّر عنه التعبير أصلا اللهم الا إذا كانت الألفاظ متشابهة فهو من المعارف . هذا هو اصطلاحى في هذا الكتاب ، وهو الغالب على أرباب القلوب . وقد يطلق لفظ العلم ويراد به معنى المعرفة ، وهو كثير في القرآن . قال اللّه تعالى : « بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ » ؛ وقال أيضا : « شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ » ؛ وقال أيضا : « وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً » . والعلوم اللدنيّة لا يتصوّر عنها التعبير بعبارات مطابقة لها أصلا ؛ ولذلك لمّا أراد موسى أن يحصّلها من الخضر بطريق