عين القضاة

مقدمة 59

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

أن من ظنّ أن الأزلية شئ ماض ، فقد أخطأ خطأ فاحشا ؛ وهذا وهم غالب على الأكثرين . فحيث الأزلية فلا ماض ولا مستقبل ، وهي محيطة بالزمان المستقبل كإحاطتها بالزمان الماضي من غير فرق ؛ ومن اختلج في ضميره بينهما فرق فعقله بعد أسير في يد وهمه . فليس زمان آدم أقرب إلى الأزلية من زماننا هذا ؛ بل نسبة الأزمنة كلها إلى الأزلية واحدة . ولعل نسبة الأزلية إلى الأزمنة كنسبة العلوم مثلا إلى الأمكنة ؛ إذ لا توصف العلوم بكونها قريبة من مكان أو بعيدة من مكان ، بل نسبتها واحدة إلى كل مكان ، وهي مع كل مكان ومع ذلك فقد خلا عنها كل مكان . وهذا يسهل إدراكه على من نظر في العلوم العقلية قليلا وإنما يعسر على من قعدبه القصور في عالم الملك ، ولم تنفتح بعد عينه الجوالة في الملكوت . فكذلك ينبغي ان تعتقد نسبة الأزلية إلى كل زمان ؛ فإنها مع كل زمان وفي كل زمان ، ومع ذلك فهي محيطة بكل زمان وسابقة الوجود على كل زمان ، ولا يسعها زمان كما لا يسع العلم مكان . فإذا فهمت هذه المعاني فاعلم أنه لا مغايرة بين الأزلية والأبدية في المعنى أصلا ، بل إذا اعتبر وجود ذلك المعنى مع نسبته إلى الماضي من الأزمنة ، استعير له لفظ الأزلية ؛ وإن اعتبر وجوده مع نسبته إلى المستقبل من الأزمنة ، استعير له لفظ الأبدية . ولا بدّ من لفظتين مختلفتين لاختلاف النسبتين ؛ وإلّا ضل الخلق في إدراكه عن سواء السبيل . واعلم الآن إنا إذا قلنا : أراد الحق - تعالى - ويريد ، وعلم ويعلم ، وقدر ويقدر ، فهو لمثل هذه الضرورة ؛ وإلّا فإذا لم يكن له ماض ومستقبل فلا معنى للاختلاف في