عين القضاة

مقدمة 57

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

واللّه - تعالى - سابق على الزمان المستقبل حسب سبقه على الزمان الماضي من غير فرق ؛ وهذا يقيني عند العارف ، والعلماء عاجزون عن ادراكه بالضرورة . ولو لم يعجزوا عن ادراكه لما قالوا أن العقل الأول مساوق الوجود لوجود الحق ؛ كما لم يقولوا ، أن صورة هذه الحروف المنقوشة بهذا القرطاس مثلا ، مساوقة في الوجود للّه الحق ، المنزه عن أمثال هذه الظنون بل عن ظنون الأنبياء والمقربين . وانظر في ذلك نظرا شافيا فلا بدّ وأن يحظى عقلك القاصر من معناه بنصيب ما ؛ وإن كان فهم المراد الحقيقي منه موقوفا على انفتاح عين المعرفة التي منزلتها من بصيرة العقل ، منزلة الجنين من الرحم ، لا بل منزلة العقل من العين التي تراها موجودة لابن المهد . وسأزيد لذلك شرحا في موضع آخر أليق به ، لعل القاصرين يشمون من روائحه شيئا . الفصل الثالث والخمسون ( أزلية اللّه حاضرة مع أبديته من غير فرق ) الحق أن اللّه كان موجودا ولا يكون معه شئ ، وهو الآن موجود وليس معه شئ ، ويكون موجودا ولا يكون معه شئ ؛ فأزليته حاضرة مع أبديته من غير فرق . وحيث سلطانه فلا موجود غيره ، ولا أيضا يتصوّر وجود ذلك ؛ وحيث سلطنة كمال إشراق الشمس ، فلا يتصوّر للخفافيش وجود أصلا . فخذ إليك هذا المثال العامي على قدر ضعف عقلك القاصر وعلمك المزخرف ، واجتهد لعل فهمك الضعيف ينتفع بشئ من هذا المثال واحذر من التشبيه .