عين القضاة

مقدمة 50

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

الفصل الخامس والأربعون ( امكانية العقل لإدراك الموجودات ) ليتأمل العاقل تأملا صادقا أنه لو لم تكن المرآة موجودة وحكى له ما يشاهده منها من انطباع الصور فيها ، هل كان يصدق بوجود ذلك أم لا ؟ فما عندي أن واحدا من أهل الأنصاف الناظرين بالبصائر الصافية يشك في أنه كان يكذب بوجود ذلك ، ويقيم على استحالته برهانا ؛ وكان يستحيل أن يظهر له وجه الخلل في برهانه ذلك . فاعتبر الآن ولا تبادر إلى التكذيب فيما لا يدركه عقلك الضعيف . فإن العقل خلق لإدراك بعض الموجودات ، كما أن البصر خلق لادراك بعض الموجودات ، وهو عاجز عن ادراك المسموعات والمشمومات والمذوقات ؛ وكذلك العقل يعجز عن ادراك كثير من الموجودات . نعم هو مدرك لأشياء محصورة قليلة بالإضافة إلى كثير الموجودات التي هو عاجز عن ادراكها . ثم جميع الموجودات بالإضافة إلى العلم الأزلي كالذرة بالإضافة إلى العرش ، لا بل والذرة بالإضافة إلى العرش شئ ما والموجودات كلها بالنسبة إلى علم اللّه ليست شيئا أصلا . وإنما ذكرت ذلك مخافة أن يبادر عقلك الضعيف ويقول : المعقولات لا تتناهى فكيف جعلتها محصورة متناهية ؟ فإن من كانت الموجودات كلها في نظره محصورة ، لا بل ولا تكون شيئا ، فلا يكون عنده للحكم بأمثال ذلك عظيم خطر ؛ إنما امتناع الحصر في نظره يوجد في الصفات الأزلية كالقدرة والإرادة والعلم والكرم المفيض صور الموجودات عليها . وهذا الكرم لازم للذات الواجبة ؛ فإنها لما كانت كاملة وفوق الكمال ، لا جرم كان الكرم المقتضى لإفاضة خلّع الوجود على المعدومات لازما لها ؛