عين القضاة

مقدمة 28

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

الفصل الثامن عشر ( البصيرة قوة كالبصر أو كسليقة الشعر ) لعلك تقول : هذا يعسر علىّ ادراكه فزده شرحا . فاعلم أن نسبة هذا الطور إلى مدركاته كنسبة قوة ذوق الشعر إلى ادراك الفرق بين موزون الشعر ومنزحفه ، فتلك القوة لا تحتاج في ادراك هذا الوزن إلى مقدمة ؛ فكذلك الطور الذي وراء العقل لا يحتاج في ادراك الفرق بين الحق والباطل في غوامض المسائل إلى مقدمات ، كما يحتاج إليها الناظر من طريق العقل لنقصانه ، وكما يحتاج الأعمى في ادراك وجود المبصرات إلى أن يتحرك بقدمه إليها ثم يدرك وجودها بقوة اللمس ، وكما يحتاج الذي لا ذوق له في الشعر إلى مقدمات العروض حتى يدرك بواسطتها الموزون والمنزحف من الشعر . الفصل التاسع عشر ( تدرك البصيرة بالبديهة القليل المطلق والكثير المطلق ) إعلم أن للعقل طريقا إلى أن يدرك معنى القليل والكثير ، فإنهما صفتان اضافيتان للعدد ؛ وله طريق إلى أن يدرك أن القليل المطلق الذي لا أقلّ منه في الأعداد ، هو الأثنان ؛ وليس له طريق إلى ادراك الكثير المطلق الذي لا أكثر منه في الأعداد . واعلم أن نسبة الكثير المطلق في الإدراك إلى العلم الأزلي ، كنسبة القليل المطلق ؛ فلا فرق في علم اللّه بين ادراك الكثير المطلق والقليل المطلق . ولا يمكن للعقل أن يدرك كيفية إحاطة العلم الأزلي بذلك ، بل ادراكها موقوف على انفتاح عين في باطن الآدمي يختص بها العارفون ، وحينئذ يتبيّن له حقيقة الطور الذي وراء العقل . ونسبة العقل من هذه العين كنسبة الشّعاع من الشمس ، وقصور العقل عن إدراك