عين القضاة

مقدمة 25

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

واللّه - عز وجل - يزيدهم معرفة بعجز عقولهم عن إدراك الأمور الإلهية ؛ فمن طمع أن يحيط عقله وعلمه بحقيقة علم ، كان موجودا قبل الكون وقبل القبل وهو سبب لوجود الموجودات ومحيط بالكل إحاطة لا يتصوّر أن يكون وراءها إحاطة ، فقد طلب بيض الأنوق وطمع في تناول العيّوق وانخلع بالحقيقة عن غريزة العقل ، وبالحرى أن يعدّ أمثاله من المجانين عند أهل الفضل ؛ فعقولنا أعجز عن إدراك العلم الأزلي ، من النمل لا بل من الجماد عن إدراك علمنا ، بدرجات كثيرة . ونسبة علمه إلى علمنا كنسبة قدرته إلى قدرتنا ؛ فكما يستحيل في قدرتنا اختراع شئ أعنى ايجاده لا من شئ ، وليس ذلك يستحيل في قدرته الأزلية لأنه بديع السماوات والأرض أي موجدهما ومخترعهما لا من شئ ، فكذلك يستحيل في علمنا أن يتغيّر المعلوم ولا يوجب تغيّرا فيه ( في علمنا ) لأن علمنا مستفاد من المعلوم ، ولا يستحيل ذلك في علم اللّه الذي يسند اليه وجود الموجودات كلها . نعم لمّا كان العقل يدرك في أول نظرة تفاوتا بين القدرتين ولم يدرك تفاوتا بين العلمين ، تاه في الحكم فوقع في هذه الاغلوطة وتعقد بهذه الاحبولة . واللّه تعالى فوق العقل ومحيط بالعقل ، وكيف يتصور أن يحيط العقل به وبصفاته ، وإحاطة الجزء بالكل في غاية البعد والعقل ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه ؟ ! وقد ذكرنا أن الموجودات كلها لا نسبة لها أصلا من سعة العلم الأزلي ، فكيف يليق بالعقل أن يطمع في إدراكه ؟ ومن قصر فهمه عن إدراك هذا العجز ، فهو لجهله وقلة استعداده لإدراك عجزه ؛ وليس لقصوره مستند الّا ضيق حوصلة عقله .