عين القضاة
مقدمة المصحح 9
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
وليست الولاية طورا من القربة إلى اللّه ارفع منزلة من النبوة فحسب بل إنّ كل ما يصفه النبي من أحوال الآخرة ما هو الا تمثّل يساعد عامة الناس على الاهتمام بأمور الغيب . فالنبي عند عين القضاة كما هو عند الفارابي وابن سينا رجل ملهم يعبر عن أمور الآخرة بطريقة خيالية من شأنها ان تلبس حقائق الغيب الخفية صورة حسية تمكن العامة من فهمها والاقتناع بها . وإذا ما سألناهم عن ماهية أمور الآخرة الحسية عارية من كل توهم وخيال قالوا لنا أن لا وجود لها لان الانسان هو روحه وإذا ما تركت الروح الجسد فلا يمكن ان تعرف قبرا وجنة ونارا وغير ذلك من الحالات الحسية . لنسمع عين القضاة ماذا يخبرنا عن حقيقة عذاب القبر : « اطلب القبر في ذاتك . كان مصطفى - صلعم - يدعو كل يوم ويقول : اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر . والحقيقة ان قبر الانسان جسمه . . . أول ما ينكشف للسالك من عالم الآخرة أحوال القبر فيعلم ان ما وعد به الفاسقون من عذاب القبر كالثعبان والحيات والنار ما هو الا تمثل محض لان العذابات كلها في داخل الانسان . . . ولنقل كذلك في منكر ونكير فهما في داخل الانسان . . . رحم اللّه ابا علي بن سينا لأنه اظهر بجلاء عجيب هذا المعنى بكلمتين حيث قال : المنكر هو العمل السىء والنكير هو العمل الصالح . . . وإذا ما أردت من المصطفى شرحا أوفى عن عذاب القبر فاسمعه يقول : انما هي اعمالكم ترد إليكم . . . وكذلك ينبغي ان تفتش عن الصراط في ذاتك . . . وكذلك ما الميزان الا العقل « حاسبوا أنفسكم قبل ان تحاسبوا » . . . وكذلك ينبغي ان تفتش عن الجنة والنار في داخلك . . . ولقد صدق ذلك شيخنا حيث قال : العشق هو الطريق ورؤية المعشوق هو الجنة والفراق هو النار والعذاب » « 1 » .
--> ( 1 ) - التمهيدات ص 289 - 292 ؛