عين القضاة
79
شرح كلمات بابا طاهر العريان
فِي صُدُورِ النَّاسِ ( 5 ) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ( 6 ) [ النّاس : الآيات 4 - 6 ] . والمعنى أنّ الظاهر عليه أثر الذكر ، إن ير له حقيقة وغيبة منه فذلك الشيطان ، لا إلقاء الرحمن ، وإن رآه فذلك إلقاء الرحمن ، وطلب الأنس منه ؛ لأنّ الذكر يفيد المجالسة ، وهي تثمر الأنس . وقال : ( التذكار الحقيقيّ يأتي في أوقات الغفلات ) . أقول : يعني أنّ الذكر الحقيقيّ يأتي حين يغفل الذاكر عن نفسه وينساها ؛ كما قال سبحانه : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ [ الكهف : الآية 24 ] ، أي نسيت نفسك ، فإنّها حجاب ذكر الحقّ ، وهذا التفسير منقول عن بعض المحقّقين . وقال : ( من ذكره للنوال فمثله مثل الحارس ، ومن ذكره للوصال فمثله مثل الغارس ) . أقول : يعني من ذكر اللّه تعالى لينال منه ثوابا غيره ، فمثله مثل الحارس الذي يحرس حرم السلطان لينال منه أجرة غير المحروس ، ومن ذكره لوصاله لا لثواب غيره ، فمثله مثل الغارس الذي يغرس شجرا ، لينال منه ثمرا ، وفي هذا القول حثّ على علوّ الهمّة ، ورفعها عن محلّ الدناءة ، وأن لا يطلب من الحقّ غيره ، فكلّ ما سواه بالنسبة إليه أدون . وقال : ( مراد اللّه من جميع التعبّد الذكر ، ونفي النسيان والغفلة ، فالصلاة بذكره تتمّ ، وهي أوّل التعبّد ، ولا يتمّ التعبد إلّا بالذكر ، قال اللّه تعالى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [ طه : الآية 14 ] . . . ) . فأبان مراده في أصل التعبّد وهو الصلاة ، ثمّ سائر التعبّد كذلك . والمقصود من هذا القول بيّن لا يحتاج إلى بيان ، إلّا قوله : ( هي ) ، أي الصلاة ، ( أوّل التعبّد ، ولا يتمّ التعبّد إلّا بالذكر ) ؛ وذلك لأنّ بناء الدين على قاعدتين : الأولى : الإيمان . والثانية : التعبّد ، وهو إمّا بالنفس ، أو المال ، أو بهما .