عين القضاة

75

شرح كلمات بابا طاهر العريان

سبب موت القلب ، قال محمد بن علي رضي اللّه عنه : « موت القلب من شهوات النفس » ، فكلّما رفض شهوة نال من الحياة بقسطها ؛ وذلك لأنّها سبب النسيان والغفلة عن اللّه تعالى . وإنّما كان الذكر غذاء القلب وسبب حياته ، لأنّ الذكر رابطة اتّصال الذاكر بالمذكور ، فإنّه « جليس من ذكره » « 1 » ، والمذكور الحقيقيّ تعالى ذكره عين الحياة الذاتية ، فالمتّصل به - وهو القلب الذاكر - حيّ به . وقال : ( الذكر ثواب الذكر ) . أقول : أي ذكر اللّه تعالى عبده ثواب ذكر العبد إيّاه ؛ كما قال تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [ البقرة : الآية 152 ] ، وكما قال رسوله الأمين صلّى اللّه عليه وآله وصحبه وسلّم حكاية عن ربّه : « فإن ذكرني في نفسه ، ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملإ من الناس ، ذكرته في ملإ خير منهم ، وأطيب » « 2 » . وهذا الذكر من اللّه ذكر لاحق ، يذكر العبد ثوابا له ، وذكر سابق على ذكر العبد ، وهو تعلّق إرادته بالعبد أن يذكر ربّه ، ولولاه لما كان العبد ذاكرا له ، فقد قال أمير المؤمنين عليّ رضي اللّه عنه في ذكر العبد : « إنّه ذكر بين الذكرين » . فعلى هذا يكون نسيان الحقّ عبده نسيانه إيّاه ؛ كما في قوله تعالى : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [ التّوبة : الآية 67 ] ، عقابا له في مقابل الذّكر اللّاحق الذي هو ثواب له ، وفي مقابل الذكر السابق نسيان سابق من اللّه سبحانه ، ولولاه لما نسي العبد ربّه . وهذا المعنى مبنيّ على قاعدة في المعرفة متّفق عليها ، وهي أنّ نفس العبد وما فيها من الصّفات مرايا تظهر فيها الصفات الإلهيّة ، كما ورد : « من

--> ( 1 ) يشير إلى الحديث القدسي : « أنا جليس من ذكرني » رواه ابن أبي شيبة في مصنّفه ، حديث رقم ( 1224 ) [ 1 / 108 ] ؛ والبيهقي في شعب الإيمان ، الفصل الثاني ، حديث رقم ( 680 ) [ 1 / 451 ] ؛ ورواه غيرهما . ( 2 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب قول اللّه تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ [ القصص : الآية 88 ] . . . حديث رقم ( 6970 ) [ 6 / 2694 ] ؛ ومسلم في صحيحه ، كتاب الذّكر والدعاء . . ، حديث رقم ( 2675 ) [ 4 / 2061 ] ورواه غيرهما .