عين القضاة
73
شرح كلمات بابا طاهر العريان
سماع الروح مقرون بتقوية المسير إلى الآخرة ؛ لأنّ السماع غذاء الروح ، والمتغذّي متقوّ على السير لوجهته ، وسماع النفس يؤدّي إلى الفسق ، لهيجان الهوى . ومن حكم بتحريمه مطلقا ، نظر إلى أنّ الأغلب سماع النفس ، ومن حكم بتحليله ، نظر إلى سماع الروح والقلب ، المؤدّي إلى العلم والحقيقة ، وإن قلّ وقوعه ؛ لئلّا يسدّ بابه بالكلّية ، ولهذا ورد : « اختلاف أمّتي رحمة » « 1 » . وقال : ( أحكام السماع مختلفة أحوالها ، وكلّ حالة من ذلك مرتبة ومنزلة ، فأوّل ذلك السماع ، ثمّ الوجد ، ثم التواجد ، فالوجد سابق الأحوال ، وسائق الأعمال ، والتواجد حركة بقايا مواريث الوجد من علم الوجد ، والحركات مختلفة ، وهي عجز البشريّة ، وضعف النفوس عند ورود الغيبيّة ) . أقول : ارتفع ( أحوالها ) بفاعلية ( مختلفة ) ، والهاء في ضمير ( أحكام ) ، والمراد أحكام السماع مختلفة لاختلاف أحواله ، ( وذلك ) الأوّل إشارة إلى السماع ، والثاني إلى كلّ حاله ، والمراد الأحوال ، أي أوّل أحوال السماع السماع . فإن قيل : كيف يتصوّر أن يكون أوّل أحوال الشيء نفسه ؟ قلنا : المراد بالسماع الأوّل هو الذي له أحوال سماع الغناء ، وبالثاني الذي هو حال من أحوال سماع نداء الغيب ، ثمّ إذا استقرّ هذا الحال نزل حال الوجد ، وله حكمان : سبق الأحوال ، وسوق الأعمال ؛ أي هو سابق جميع أحوال السماع من حيث الحقيقة ، وسائق إلى الأعمال من الحركات . ثمّ بعد حال الوجد ينزل حال التواجد ، وهو حركة الواجد ؛ لما يبق من مواريث الوجد من علم الوجد ؛ وذلك لأنّ الوجد وارد من اللّه تعالى ، وهو حال تحوّل سريعا كالبرق الخاطف ؛ كما قيل : سمّي الحال حالا لتحوّله ، وهو يورث عند جولانه بقيّة وميراثا ، يظنّ أنّه الحال ثابتا ، وهو زائل .
--> ( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 153 ) [ 1 / 66 ] وأورده غيره .