عين القضاة
70
شرح كلمات بابا طاهر العريان
فعلى هذا يكون القلب - بخلاف ما ذهب إليه الآخرون - فوق الروح ؛ لأنّه جعل سماع الروح مشوّقا إلى الآخرة ونعيمها ، وهذا التشويق وصف العلم ، وسماع القلب مشوّقا إلى الفناء وطلب الحقيقة ، وذلك وصف الحبّ الظاهر من مشاهدة جمال الذات ، والمشاهدة فوق العلم ، وقد يأتي فيهما بعد التصريح بأنّ طيبة الروح في السماع من العلم ، وطيبة القلب من الحقيقة . والحاصل : أنّ السامع إذا هزّه مجرّد سماع الألحان الطيّبة ، لكونها مناسبة للطبع الموزون ، فسماعه سماع الطبع ، وإذا أفضى شهود هذا الحسّ إلى مشاهدة جمال الآخرة ، فسماعه سماع الروح ، وإدا أفضى إلى مشاهدة جمال الذات ، فسماعه سماع القلب . وقال : ( للنفس طيبة ، وللروح طيبة ، وللقلب طيبة ، فطيبة النفس من الهوى ، وطيبة الروح من العلم ، وطيبة القلب من الحقيقة ) . أقول : كلّ من النفس والروح والقلب يستطيب بما يلائمه ، والنفس تستطيب الهوى ؛ لأنّ ميلها إلى محلّ الحظّ ، والروح تستطيب العلم ؛ لأنّه يلائمها في الجوهر ، والقلب يستطيب الحقيقة ؛ لأنّها تلائمه بما فيها من معنى الجمعية بين الظاهر والباطن ، وما في القلب من الجمعية بين ظاهرية النفس ، وبين باطنية الروح ؛ إذ هو سرّ جامع بينهما ، تظهر به الإنسانيّة ، واستحقاق الخلافة ، ولهذا جعله الشيخ - رحمه اللّه - فوق الروح . وقال : ( الصوت الرخيم ، والنغمة الرقيقة ، حبل من الدنيا إلى الآخرة ، متّصل بسرّ المعنى ، الذي لا يعرف منه غير اسمه ) . أقول : لمّا كان الصوت الطيّب سببا جاذبا من الدنيا إلى الآخرة ، لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ ق : الآية 37 ] ، كالحبل الذي هو سبب الجذب من سفل إلى علوّ ، استعار له لفظ الحبل لهذه المشابهة ، وقرينة الاستعارة إسناده إلى ما يمتنع حمله عليه ؛ كقولك : زيد أسد ، وصف الحبل بكونه متّصلا بسرّ المعنى ، الذي لا يعرف منه غير اسمه ، ترشيحا للاستعارة ، فإنّ الحبل لا يكون سبب الجذب إلّا إذا اتّصل أحد طرفيه بالمجذوب ، والآخر بالجاذب .