عين القضاة
67
شرح كلمات بابا طاهر العريان
وقال الجنيد : المكر المشي في الهواء ، وعلى الماء ، وإجابة السؤال ، وصدق الوهم ، وصحة الإشارة ، وسعة الرزق ، كلّ ذا مكر علم من علم ، وجهل من جهل . وقال الشبليّ : تحت كلّ نعمة ، وتحت كلّ طاعة ، مكر . وهذه الإشارات كلّها متقاربة ، وأمّا قوله : ( والحقيقة حجاب ) ، فقد سبق بيان يغني عن شرحه ، في قوله : « وذات الحقيقة في معرفة الذات حجاب » . وقال : ( العلم تحيّر ، والوجد تذكّر ، والحقيقة تفكّر ) . أقول : المراد من هذا الكلام موافق لما سبقه ، وهو أنّ الكلام من العلم والوجد والحقيقة بمعزل عن إدراك الحقّ ، فإنّ العالم يتحيّر في تعارض الأدلّة ، فلا يهتدي إلى الحقّ الصريح ، والواجد ليس له إلّا تذكّر الوجد بعد مضيّ حاله ، فإنّ الواجد الحقيقيّ هو الموجود المدرك ذاته ، وصاحب الحقيقة - التي هي المشاهدة - ليس له من شهود الحقّ إلّا التفكّر فيه . فإنّ الشاهد الحقيقيّ هو المشهود المدرك ذاته بذاته ، والتفكّر في ذات اللّه تعالى لا يجدي إلّا تلاشي العقول والأفهام ؛ كما قال الجنيد : الأوهام والأفهام تلاشت عند التفكّر في جلال عظمته . وكيف تثبت وقد قال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وصحبه وسلّم : « تفكّروا في كلّ شيء ، ولا تفكّروا في ذات اللّه » « 1 » . وقال : ( القرب حال ، والحال مقرون بالنّفس ومعه موجود ، والعلم ثبات الحال ، والوجد فناء الحال ، فالحال وجد الواجد ، ورفع الحال موجوده ) . أقول : المراد بالحال ما ثبت بين الربّ والعبد من القربات ؛ كالزهد ، والتوكّل ، والرّضا ، وهو وصف العبد ، واقترانه بالنّفس ووجوده معه كناية عن دوامه ؛ لدوام النّفس ، فالقرب بينهما حال ، وهو ثابت بالعلم مرفوع بالوجد
--> ( 1 ) رواه الأصبهاني في العظمة ، باب الأمر بالتفكّر في آيات اللّه عزّ وجلّ ، حديث رقم ( 22 ) [ 1 / 241 ] ؛ وابن قدامة في إثبات صفة العلوّ ، أقوال الصحابة رضي اللّه عنهم أجمعين [ 1 / 106 ] ورواه غيرهما .