عين القضاة

60

شرح كلمات بابا طاهر العريان

أفادت التنزيه عن إدراك الفهم ، وتعيين الإشارة ، لكنّها تفيد مفهوما منزّها عن المفهوميّة ، فهي أيضا تشير إلى مفهوم مخلوق في الذهن ، فصاحب هذه الإشارة هالك أيضا ، وإن كانت إشارته فوق الإشارة الأولى ، ولفظا ( قبل ) و ( بعد ) يفيدان فوقيّتها . والحاصل : أنّ الإشارة للحقّ لا تصحّ كيف كانت ؛ كما قال : ( الإشارة وصف البعد ) ؛ لأنّ من أشار إليه عيّنه ، والتعيين بعد عن جناب الحقّ تبارك وتعالى . وقال : ( الإشارة إلى البعيد جهل ، وإلى القريب قلّة معرفة ) . أقول : هذا القول ينفي الإشارة مطلقا ؛ لأنّها إن كانت إلى البعيد ، كإشارة أهل العلم إلى أنّ موجد العالم وراؤه ، فهي جهل ؛ لأنّه عين العالم . وإن كانت إلى القريب ، كإشارة أهل المعرفة بأنّه عين العالم ، فهي قلّة المعرفة ؛ لأنّه وإن كان عين العالم من حيث إنّه ظاهر ، ولكنّه وراء العالم أيضا من حيث إنّه باطن . فالإشارة إلى القريب تعيينه بالظاهرية ، وإلى البعيد تعيينه بالباطنية ، وهو الظاهر والباطن معا ، فالمشير إلى القريب وإن كان عارفا مشاهدا لكنّه ناقص المعرفة ، حيث عيّنه بالإشارة . والمشير إلى البعيد جاهل ، وإن عرفه في لباس الظاهريّة . وقال : ( الإشارة إلى الحقّ شرك ، وإلى الحقيقة تهلكة ، وإلى المعرفة حجاب ، وإلى القرب بعد ) . أقول : يعني لو أشرت إلى الحقّ بأنّه موجد الخلق أشركت به ، حيث أثبت معه غيره ، وإن أشرت إلى الحقيقة وقلت : لا موجود سوى اللّه عزّ وجلّ ، ارتفعت العبوديّة والربوبيّة ، وفيه هلاك الخلق ، وإن أشرت إلى المعرفة وأثبتّها لنفسك ، بقيت في حجاب بينك وبين الحقّ ؛ للتفرقة بين العارف والمعروف ، ولا وصول إلّا في الجمع والوحدة ، وإن أشرت إلى القرب بينك وبين محبوبك فرّقت ، والفرق بعد .