عين القضاة

49

شرح كلمات بابا طاهر العريان

وقال : ( سمّي القلب قلبا لتقلّبه ، وفي كلّ تقلّب له علم ، وكلّ علم يؤدّي إلى الحقيقة ، وكلّ حقيقة من ذلك طريق إلى اللّه تعالى ) . أقول : يعني ( سمّي القلب قلبا لتقلّبه ) مع الحقّ ؛ لأنّ الحقّ عزّ وجلّ يتجلّى في كلّ حال بنوع من التجلّيات ، والقلب العارف باللّه سبحانه يعرف لكلّ تجلّ ما يلائم موقعه ، فهو أبدا يتقلّب مع الحقّ ومراداته ، فإذا تجلّى باسمه اللّطيف علم أنّ مراده منه الشكر على نعمائه ، ففي كلّ تقلّب له علم بمراد الحقّ منه ، وكلّ علم يؤدّي إلى حقيقة من الصبر ، والشكر ، وغيرهما ، وكلّ واحدة من هذه الحقائق طريق له إلى اللّه تعالى . بيان الدنيا والعقبى قال : ( الدّنيا سرّ دان ، له عوارض ظاهرة ، والعوارض تدني إلى الأصل ، والأصل يدني إلى الهلاك ) . أقول : حقيقة الدنيا الجحيم في كسوة النعيم ، كشمعة مشتعلة ظاهرها نور وباطنها نار ، ولذلك قال : إنّ ( الدّنيا سرّ ) ؛ أي أمر مخفيّ ، ووصفه بالدنوّ لمباشرة الناس إيّاه ، وهل سمّيت الدنيا دنيا إلّا لدنوّها من الناس وإن كانوا لا يشعرون ؟ ! ثمّ وصفه بأنّ له عوارض ظاهرة ، أي هي ما زيّن للناس من شهوات الدنيا ، فإنّها عوارض ظاهرة عرضت بسرّ الدنيا فازينّت بها ، كتزيّن النار الباطلة بالنور الظاهر العارض لها ، والناس ألهاهم عن مشاهدة سرّ الدنيا بصورة الجحيم حبّ التكاثر في الأموال والأولاد ، إلى أن ينكشف غطاء البشرية عن البصائر ، ويصير البصر حديدا ، فميقات هذا الكشف حينئذ كما قال تعالى : أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ( 1 ) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ ( 2 ) [ التكاثر الآيتان : 1 ، 2 ] ، وقال جلّ جلاله : وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى ( 36 ) [ النازعات : الآية 36 ] . ولو أمعن العاقل نظره في معرفة حقيقة الدنيا ، ما رآها به إلّا أن ينظر بعلم اليقين ، حجبا محفوظة بالشهوات ، ثمّ يراها عند كشف الغطاء بعين اليقين ، كما قال تعالى : كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ( 5 ) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ( 6 ) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ ( 7 ) [ التكاثر : الآيات 5 - 7 ] ، فحينئذ يسأل من يحسبها قبل