عين القضاة
21
شرح كلمات بابا طاهر العريان
وأمّا استعمال العلم بالمعرفة ، فقد قال فيما سبق : إنّه وجود ، وحكم هنا على المستعمل بها أنّه حبط عمله ، فهذا يخالفه من حيث الظاهر ، ويوافقه من حيث المعنى ؛ لأنّ العارف إذا لم ير عمله فعل نفسه ، بل من اللّه سبحانه وتعالى ، لم يبق له عمل ، وهذا يوافق معنى المذكور . قال : ( العلم جذبني فأقامني على شاطىء البحر ، والوجد أوقفني في البحر ، وأسلمني للغرق ، فاستعنت في وسط البحر بالعلم فما أنجاني ، وغلب الوجد عليّ فما زادني إلّا غرقا ، فطلبت الخلاص فما خلّصني إلّا الجهل ) . أقول : العلم يجذب المتمسّك به إلى شاطىء بحر الوحدة ، فيقيمه عليه ، والوجد يدخله في البحر ، ويوقفه فيه ، ويسلّمه للغرق ؛ لأنّ العلم يدلّ على العمل الصالح ، وهو يزكّي النفس من دسائس الأخلاق والشهوات ، ويهذّب الظاهر والباطن عن دنس المخالفات والغفلات ، فتنجلي بذلك مرآة القلب عن طبع الطبع ، وتستعدّ بصفائها لانعكاس جمال القديم فيها . فحينئذ تظهر لوائح الوجد من المشاهدات ، ويغرق وجود الواجد في الموجود بتلاطم أمواج بحر الوجود ، وتحيط به سرادق الفناء في عين البقاء من كلّ جانب ، ويستعين بما هو موكّل بكلّ نفس ، من الحافظ الإلهيّ المذكور في قوله تعالى : إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ ( 4 ) [ الطّارق : الآية 4 ] ، استعانة بالعلم لينجيه من الفناء ، فلا يجد إلى ذلك سبيلا ، ولا على ما يطلبه دليلا ، ولا ينجيه إلّا الجهل . أي فناء العلم بفناء الوجود القائم هو به ، وهذا الفناء في الحقيقة هو البقاء الأبدي بالباقي الأزلي الأبدي ، والبقاء المتخيّل قبله هو الفناء حقيقة ، والعلم المتوهّم أنّه ينجي من الغرق والفناء هو المغرق المفني ، والجهل المقابل للعلم الجزئي - الفاني في تجلّي الذات بالعلم الكلّي - هو المنجي المبقي . فسبحانه من حكيم قدير ، تتحيّر في أشعة أنوار حكمته وقدرته بصائر الأرواح ، ونواظر العقول .