عين القضاة

18

شرح كلمات بابا طاهر العريان

لأنّ الوجد لا يرى غير اللّه ، والشيطنة رؤية الغير ، فإنّ الشيطان لم يسجد لآدم ؛ حيث رآه الغير ، وجبلته تقتضي هذا التفريق ، فإنّ من خواصّ النار تفريق المجتمعات . وأشار بقوله : ( نار اللّه ) ، إلى أنّ المراد ب نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ( 6 ) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ( 7 ) [ الهمزة : الآيتان 6 ، 7 ] ، نار العلم الشيطاني ، واطّلاع هذا العلم على الفؤاد ؛ لأنّ من علم الحقّ من الباطل ، واتّبع الباطل ، ونبذ الحقّ وراءه ، تألّم قدر انطوائه على هذا العلم ، وهذا معنى قوله : ( فمن خالف العلم أحرقته النار ) . وأمّا تغيير النور - الذي هو نور الوجد - من خالفه ؛ فلأنّ مخالفته - وهي إبداء وصف من أوصاف النفس - موجبة لعقد الموجود ، مقتضية إلى تغيّر الواجد عن صلاحية قبول الوجد ، فنسب تغييره إلى نور الوجد ؛ لأنّه حال يحدث من قبول المخالفة المفضية إلى التغيير ، فكأنّه هو التغيّر . قال : ( العلم إشفاق ، والوجد إحراق ) . أقول : الإشفاق على الشيء التعطّف عليه ، والإشفاق منه الخوف ، وكونه مسندا إلى العلم يحتمل معنيين . أي : العلم أثر رحمة من اللّه على العبد ، يدلّه على الهدى ، ويردّه عن الردى ، وسبب خوفه من غضب اللّه ؛ لأنّ من علم أنّ الرّضا والسّخط صفتان أزليّتان للّه سبحانه ، لا يتغيّران بفعل العبد ، والاعتبار بحسن العاقبة لا بصورة الحال ، فهو لا يزال يخافه ، ويقول : كيف السبيل إلى مرضاة من غضبا * من غير جرم ولم أعرف له سببا « 1 » وهذا الوجه أظهر . وأمّا الوجد ، فهو سبب إحراق الواجد الفاني ، وتبدّل البقاء بالفناء .

--> ( 1 ) هذا البيت هو ليوسف بن الحسين الرازي المتوفّى سنة 304 هجرية والبيت من البحر البسيط وتفعيلته : إن البسيط لديه يبسط الأمل * مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن ( الموسوعة الشعرية ، المجمع الثقافي ، أبو ظبي ) .