عين القضاة

11

شرح كلمات بابا طاهر العريان

وآنست منهم شغفا بالبحث عن معاني الكلمات المرويّة عن الشيخ الربّاني ، والعارف الحقّاني ، المعروف ( ببابا طاهر الهمداني ) - رحمة اللّه عليه - ، فاقترحوا عليّ أن أكشف لهم عن وجوه حقائقها ، وأرفع منارا على طرائقها ، فأحجمت عن الإقدام على ذلك لمّا وجدتها بعيدة الغور ، غير منكشفة للنظر على الفور ، وضمنت لهم أن أكتب لها شرحا إذا إبت إلى منقلبي ، وحطّ عنّي تعبي . فها أنا واف بما وعدت بتوفيق اللّه ، أكتب لها شرحا يحلّ معاقدها ، ويقرّر قواعدها ، وأضمّنه ما يسمح به الوقت ، ويفتح لي معانيها ، بعدما رتّبت لها ترتيبا يقرّب به التناول على متعاطيها . بيان العلم قال : ( العلم دليل المعرفة ، يدلّ عليها ، فإذا جاءت المعرفة سقطت رؤية العلم ، وبقيت حركات العلم بالمعرفة ) . أقول : بيان ذلك أنّه أراد أن يفرّق بين العلم والمعرفة ، والذي يدلّ على معرفة الصانع - بمطالعة صنعه - هو دليل المعرفة ، لا عينها ، ولهذا العلم - بسبب انتقاله من الأثر إلى المؤثر - حركة خالية عن المعرفة قبل حصول عينها ، وأمّا بعد مجيئها فيسقط نظر العلم المجرّد عن المعرفة ، وتبقى حركاته مقرونة بالمعرفة . ولعلّك تشتهي أن تذوق عسيلة « 1 » هذا المعنى بضرب من المثل ، فاستمع لما أتلو عليك . اعلم أنّك إذا رأيت مكتوبا لا تعرف كاتبه ، استدلّلت به على إثبات كاتب له غير معيّن ، وأحطت به علما ساذجا عن المعرفة به ، ثمّ إذا عرفته بالمشاهدة ، وشاهدت منه أثر الكتابة ، سقط شهود علمك الساذج ، وبقيت حركات علمك - من الكتابة إلى الكاتب - مقرونة بمعرفته .

--> ( 1 ) عسيلة : تصغير عسلة وهو تأنيث العسل ، شبّه بقطعة من العسل / النطفة / ماء الرجل / حلاوة الجماع تشبيه بالعسل للذّته / ماء شرقي سميراء .