ابن القيسراني
31
صفوة التصوف
الباب إن شاء اللّه تعالى . 37 - ثم تفرغت هذه الطائفة وتشعبت وتفقهت في حقائق الطريقة ، ودققوا في معانيها ، كما فعلت كل فرقة فيما نصبت له نفوسها ، ثم إنا لم نر أحدا من سائر الفرق اليوم على طريقة من كان قبله من أهل صناعته ، بل نراهم مباينين لهم أشد التباين ، ولو أنصفوا لعلموا أن هذه الفرقة أقرب إلى سلفهم منهم إلى أسلافهم ، وهذا كما جاء في الحديث ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : " يرى أحدهم القذاة في عين أخيه ويدخل الجذع في عينه فلا يحس به " . أو كما قال . 38 - وأحسن ما نقلت من الحكايات في هذا المعنى ، حكاية أخبرنا بها أبو سعد عبد الرحمن بن منصور ، قال : أنا أبو طاهر الزيادي ، أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ، قال : نا محمد بن يزيد السلمي ، قال : نا مؤمل بن إسماعيل ، نا حماد بن سلمة ، نا علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس قال : قال عمرو بن العاص لمعاوية : " إني رأيت فيما يرى النائم أبا بكر كئيبا حزينا ومعه رجلان ، فقلت : بأبي يا أبا بكر ما لي أراك حزينا كئيبا ؟ قال : أمر هذان أن يحاسباني ، قال : فإذا صحف يسيرة . قال : ثم رأيت عمر كئيبا حزينا معه رجلان ، فقلت بأبي وأمي يا أمير المؤمنين مالي أراك حزينا كئيبا ؟ قال : أمر هذان أن يحاسباني ، قال : وإذا صحف مثل حزورة . ثم رأيت عثمان كئيبا حزينا ومعه رجلان ، فقلت : مالي أراك حزينا كئيبا ؟ قال أمر هذان أن يحاسباني ، قال : وإذا صحف كأنها الخندمة . ورأيتك يا أمير المؤمنين قد ألجمك العرق ، ورأيت صحفا مثل حراء وقيس . فقال له معاوية : فما رأيت دنانير مصر ؟ " واللّه بفضله ورحمته يدخلنا وإياهم في بركات من اقتدينا وإياهم به ، إنه جواد كريم . ثم إني تدبرت أحوال المنكرين ، فإذا الإنكار حصل من قبل فرقتين : أهل جهل وأهل علم ، فالجاهل جوابه الدعاء له ، ثم إني نظرت في حال العالم ، فإذا به أتي من قلة معرفته بالسنن وآداب الشريعة ، واشتغاله بما اشتهر اليوم من العلوم التي لا يحتاج طالبها إلى التفحص عن أصولها ومخارجها من الشرع ، كالكلام والرأي والقياس والتذكير وغير ذلك ، وهذه علوم أحكمها متقدموهم وأخذوها من الشرع ، فقلد الخلف السلف في ذلك ، وكان غرضهم من هذه العلوم غرض من قدمنا ذكره من المتشبهين بأهل الصفة ، ولو أنعموا النظر في سنن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأخلاقه وأفعاله وآدابه في سفره وحضره ، لعلموا أن هذه الطائفة في جميع ما يباينون به غيرهم إنما أخذه مشايخهم من الشرع ، إما نصا وإما استنباطا كما فعل متقدمو سائر الفرق .