الغزالي
97
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم في ذمّ النميمة « شرّ الناس يوم القيامة ذو وجهين ، النمّام الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه . من كان ذا وجهين في الدنيا ، كان له يوم القيامة لسانان من نار » . وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لا يدخل الجنة نمّام » . فإن قيل : ما الحكمة في أنّ اللّه تعالى خلق كلّ مخلوق ذا لسان ناطق وغير ناطق ، وليس للسمك لسان أصلا ؟ فقيل : لأنّ اللّه تعالى لمّا خلق آدم أمر الملائكة بالسجود له ، فسجدوا كلّهم إلا إبليس ، فلعنه اللّه ، وأخرجه من الجنة ، ومسخه ، فأهبط إلى الأرض ، فجاء إلى البحار ، فأوّل ما رآه السمك ، فأخبره بخلق آدم وقال : إنه يصطاد ويأخذ دواب البحر والبر ، فبلّغ السمك دواب البحر بخبر آدم ، فأذهب اللّه لسانه . حكي عن عمرو بن دينار أنه قال : كان رجل من أهل المدينة له أخت في ناحية المدينة ، فاشتكت ، فكان يأتيها يعودها ، ثم ماتت ، وجهّزها وحملها إلى القبر ، فلما دفنت رجع إلى أهلها . ثم ذكر أنّ له كيسا كان معه فضيّعه في القبر ، فاستعان برجل من أصحابه ، فأتيا القبر فنبشاه ، فوجدا الكيس . فقال للرجل : تنحّ عنّي حتى أنظر على أيّ حال هي . فرفع بعض ما على اللحد ، فإذا القبر يشتعل نارا ، فرجع إلى أمه فقال : أخبريني علام كانت أختي ؟ فقالت : كانت أختك تأتي أبواب الجيران فتلقي أذنها إلى أبوابهم حتى تستمع الحديث لكي تمشي بالنميمة . فعلم أنّ هذا سبب عذاب القبر . فمن أراد أن ينجو من عذاب القبر فليحترز من النميمة والغيبة . وحكي : عن أبي الليث البخاري أنه خرج حاجّا ، فجعل في جيبه درهمين ، وحلف : إن اغتبت أحدا في طريق مكّة ذاهبا أو آيبا فللّه عليّ أن أتصدّق بهما . فذهب إلى مكة ورجع إلى منزله والدرهمان في جيبه . فقيل له في ذلك ، قال : لأن أزني مئة مرّة أحبّ إليّ أن أغتاب مرّة واحدة . قال أبو حفص الكبير : لو لم أصم رمضان أحبّ إليّ من أن أغتاب إنسانا ، ثم قال : من اغتاب فقيها جاء يوم القيامة مكتوبا على وجهه : هذا آيس من رحمة اللّه .