الغزالي

85

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

لا . قال : « أقتلت نفسا بغير حقّ ؟ » قال : لا . قال : « فإن اللّه يغفر ذنبك ولو كان مثل السماوات السبع والأرضين والجبال » قال : يا رسول اللّه ، ذنبي أعظم من ذلك . قال : « ذنبك أعظم أم الكرسي ؟ » قال : ذنبي أعظم يا رسوله اللّه . قال : « ذنبك أعظم أم العرش ؟ » قال : ذنبي أعظم . قال : « ذنبك أعظم أم إلهك ؟ » - يعني : عفو اللّه - قال : بل اللّه أعظم وأجلّ . قال : « فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا الربّ العظيم » . - يعني : عظيم التجاوز - ثم قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أخبرني عن ذنبك » قال : إني أستحي منك يا رسول اللّه . قال : « بل أخبرني » قال : يا رسول اللّه ، إني كنت أنبش القبور منذ سبع سنين حتى ماتت جارية من بنات الأنصار ، فنبشت قبرها ، وأخذت كفنها ، ومضيت غير بعيد ، فغلب الشيطان عليّ ، فرجعت فجامعتها ، ثم مضيت غير بعيد ، وإذا بالجارية قامت وقالت : ويلّك يا شاب ! أما تستحي من ديّان يأخذ للمظلوم من الظالم ، تركتني عريانة في عسكر الموتى ، وأوقفتني جنبا بين يدي اللّه عزّ وجل . قال : فوثب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يدفع في قفاه ويقول : « يا فاسق ما أحوجك إلى النار ، اخرج عنّي » فخرج الشاب تائبا إلى اللّه تعالى أربعين ليلة ، فلما تمّ له أربعون ليلة رفع رأسه إلى السماء وقال : يا إله محمد وآدم وإبراهيم ، إن كنت غفرت لي فأعلم محمدا وأصحابه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإلا فأرسل نارا من السماء فأحرقني بها ، ونجّني من عذاب الآخرة . فهبط جبريل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : يا محمد ربّك يقرئك السلام ويقول لك : أنت خلقت الخلق ؟ فقال : « بل هو الذي خلقني وخلقهم ، ورزقني ورزقهم » قال جبريل عليه السلام : يقول لك اللّه تعالى : إني تبت على الشاب . فدعا النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الشاب وبشّره بأن اللّه تعالى تاب عليه . وحكي أنه كان في زمن موسى عليه السلام رجل لا يستقيم على التوبة ، كلما تاب أفسد . فمكث على ذلك عشرين سنة . فأوحى اللّه تعالى إلى موسى : قل لعبدي فلان : إني غضبت عليه . فبلّغ موسى عليه السلام الرسالة إلى ذلك الرجل ، فحزن وذهب إلى الصحراء قائلا : إلهي أنفدت رحمتك أم ضرّتك معصيتي ؟ أم نفدت خزائن عفوك ، أم بخلت على عبادك ؟ أيّ ذنب أعظم من عفوك ؟ والكرم من صفاتك القديمة ، واللؤم من صفاتي الحادثة ، أفتغلب صفتي صفتك ؟ وإذا حجبت عبادك عن رحمتك فمن يرجون ؟