الغزالي

82

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

دوّيّة « 1 » مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه ، فوضع رأسه فنام نومة ، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته ، فطلبها حتى إذا اشتدّ عليه الحرّ والعطش أو ما شاء اللّه قال : أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه ، فأنام حتى أموت ، فوضع رأسه على ساعده ليموت ، فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها زاده وشرابه ، فاللّه أشدّ فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته » . ويروى عن الحسن قال : لما تاب اللّه على آدم عليه السلام هنّأته الملائكة ، وهبط عليه جبريل وميكائيل عليهما السلام فقالا : يا آدم ، قرّت عينك بتوبة اللّه عليك . فقال آدم عليه السلام : يا جبريل فإن كان بعد هذه التوبة سؤال فأين مقامي ؟ فأوحى اللّه إليه : يا آدم ورّثت ذريتك التعب والنصب ، وورّثتهم التوبة ، فمن دعاني منهم لبّيته كما لبّيتك ، ومن سألني المغفرة لم أبخل عليه لأني قريب مجيب ، يا آدم وأحشر التائبين من القبور مستبشرين ضاحكين ودعاؤهم مستجاب . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه عزّ وجلّ يبسط يده بالتوبة لمسيء الليل إلى النهار ، ولمسيء النهار إلى الليل حتى تطلع الشمس من مغربها » وبسط اليد كناية عن طلب التوبة ، والطالب وراء القابل ، فربّ قابل ليس بطالب ، ولا طالب إلّا هو قابل . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو عملتم الخطايا حتى تبلغ السماء ثم ندمتم لتاب اللّه عليكم » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن العبد ليذنب فيدخل به الجنة » فقيل : كيف ذلك يا رسول اللّه ؟ قال : « يكون نصب عينه تائبا منه فارّا حتى يدخل الجنة » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « كفارة الذنب الندامة » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « التائب من الذنب كمن لا ذنب له » . ويروى أن حبشيا قال : يا رسول اللّه ، إنّي كنت أعمل الفواحش ، فهل لي من توبة ؟ قال : « نعم » فولّى ثم رجع فقال : يا رسول اللّه ، أكان يراني وأنا أعملها ؟ قال : « نعم » فصاح الحبشي صيحة خرجت فيها روحه . ويروى أن اللّه عزّ وجلّ لما لعن إبليس سأله النّظرة « 2 » ، فأنظره إلى يوم القيامة ،

--> ( 1 ) الدّوّيّة : الفلاة الواسعة المستوية . ( 2 ) النّظرة : التأخير .