الغزالي

70

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

بريء منك . فهو الذي قال اللّه تعالى فيه : كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ « 1 » . وروي أن إبليس سأل الشافعي رضي اللّه عنه : ما قولك فيمن خلقني كما اختار ، واستعملني فيما اختار ، وبعد ذلك إن شاء أدخلني الجنة ، وإن شاء أدخلني النار ، أعدل في ذلك أم جار « 2 » ؟ فنظر في كلامه ثم قال : يا هذا إن كان خلقك لما تريد أنت فقد ظلمك ، وإن كان خلقك لما يريد هو ، فلا يسأل عمّا يفعل . فاضمحل إلى أن صار لا شيء ، ثم قال : واللّه يا شافعي لقد أخرجت بمسألتي هذه سبعين ألف عابد من ديوان العبودية . واعلم أن مثال القلب مثال حصن ، والشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن فيملكه ويستولي عليه ، ولا يقدر على حفظ الحصن من العدو إلا بحراسة أبواب الحصن ومداخله ومواضع ثلمه ، ولا يقدر على حراسة أبوابه من لا يدريها . فحماية القلب عن وسواس الشيطان واجب ، وهو فرض عين على كلّ مكلّف ، وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو أيضا واجب ، ولا يتوصل إلى دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخله ، فصارت معرفة مداخله واجبة ، ومداخله وأبوابه صفات العبد وهي كثيرة : منها الغضب والشهوة : فإنّ الغضب غول « 3 » العقل ، وإذا ضعف العقل هجم جند الشيطان ، ومتى غضب الإنسان لعب الشيطان به كما يلعب الصبي بالكرة . وقد ذكر أن بعض الأولياء قال لإبليس : أرني كيف تغلب ابن آدم . فقال : آخذه عند الغضب وعند الهوى . ومنها الحسد والحرص : فمتى كان العبد حريصا على كلّ شيء أعماه حرصه وأصمّه ، فحينئذ يجد الشيطان فرصة فيحسّن عند الحريص كلّ ما يوصله إلى شهوته ، وإن كان منكرا فاحشا .

--> ( 1 ) سورة الحشر ، الآية : 16 . ( 2 ) جار : ظلم وابتعد عن الحق والعدل . ( 3 ) غول : قيد .