الغزالي

55

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

وانتصب قائما إلى أن سجدت الملائكة المدّة المارّة ، فلما رفعوا رؤوسهم ورأوه لم يسجد ، وهم قد وقفوا للسجود ، سجدوا ثانيا شكرا ، وهو قائم يرى معرضا عنهم غير عازم على الاتباع ، ولا نادم على الامتناع ، فمسخه اللّه من الصورة البهيّة ، فنكسه كالخنزير ، وجعل رأسه كرأس البعير ، وصدره كسنام الجمل الكبير ، ووجهه بينهما كوجه القردة ، وعينيه مشقوقتين في طول وجهه ، ومنخريه مفتوحتين ككوز الحجّام ، وشفتيه كشفتي الثور ، وأنيابه خارجة كأنياب الخنزير ، وفي لحيته سبع شعرات ، وطرده من الجنة بل من السماء بل من الأرض إلى الجزائر ، فلا يدخل الأرض إلا خفية ، ولعنه إلى يوم الدّين لأنه صار من الكافرين . وانظر كان بهيّ الصورة ، رباعي الأجنحة ، كثير العلم ، كثير العبادة ، طاووس الملائكة وأعظمهم ، سيد الكروبيّين « 1 » إلى غير ذلك فلم يغن عنه شيئا إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى « 2 » . وفي الأثر لمّا مكر بإبليس ، بكى جبرائيل وميكائيل . فقال اللّه لهما : ما يبكيكما ؟ قالا : ربّنا ما أمنّا مكرك . فقال اللّه تعالى : هكذا كونا لا تأمنا مكري . وروي أن إبليس قال : يا ربّ ، أخرجتني من الجنة لأجل آدم ، وأنا لا أقدر عليه إلا بتسليطك . قال : أنت مسلّط عليه . أي على أولاده ، لعصمة الأنبياء منه . قال : زدني . قال : لا يولد له ولد إلا ولد لك مثلاه . قال : زدني . قال : صدورهم مساكن لك تجري فيها مجرى الدم . قال : زدني . قال : أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ أي : استعن عليهم بأعوانك من راكب وماش وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ أي : بحملهم على كسبها وصرفها في الحرام وَالْأَوْلادِ أي : بالحثّ على التوصّل إليهم بالسبب المحرم كالوطء في الحيض ، والإشراك فيهم بتسميتهم بنحو عبد العزى ، والتضليل بالحمل على الأديان الباطلة ، والحرف الذميمة ، والأفعال القبيحة وَعِدْهُمْ « 3 » المواعيد الباطلة كشفاعة الآلهة ، والاتكال على كرامة الآباء ، وتأخير التوبة بطول الأمل ،

--> ( 1 ) الكروبوبيّين : هم الملائكة المقرّبين إلى حملة العرش ومنهم جبريل وميكائيل وإسرافيل . ( 2 ) سورة الزمر ، الآية : 21 . ( 3 ) سورة الإسراء ، الآية : 64 .