الغزالي

53

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

12 - باب : في ذكر إبليس وعذابه قال اللّه سبحانه وتعالى : فَإِنْ تَوَلَّوْا أي : اعرضوا عن طاعة اللّه ورسوله فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ « 1 » يعني : لا يغفر لهم ، ولا يقبل توبتهم ، كما لم يقبل توبة إبليس لكفره واستكباره ، وتاب على آدم عليه السلام وقبل توبته ؛ لأنه أقرّ على نفسه بالذنب ، وندم عليه ولام نفسه ، وهذا وإن لم يكن ذنبا حقيقة لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون لا تقع منهم المعصية أبدا لا قبل النبوة ولا بعدها على الصحيح ، لكنه على صورة الذنب ، ولذلك قال هو وحواء عليهما السلام : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ « 2 » فندم عليه السلام وأسرع بالتوبة ، ولم يقنط من رحمة اللّه تعاى كما قال اللّه تعالى : لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ « 3 » وإبليس لم يقرّ على نفسه بالذنوب ، ولم يندم عليها ، ولم يلم نفسه ، ولم يسرع بالتوبة ، وقنط من رحمة اللّه تعالى وتكبّر . فمن كان حاله مثل حال إبليس لم تقبل توبته ، ومن كان حاله مثل حال آدم قبل اللّه توبته ، لأن كلّ معصية أصلها من الشهوة فإنه يرجى غفرانها ، وكلّ معصية أصلها من الكبر فإنه لا يرجى غفرانها ، ومعصية آدم أصلها من الشهوة ، ومعصية إبليس أصلها من الكبر . حكي : أن إبليس جاء إلى موسى عليه السلام فقال له : أنت الذي اصطفاك اللّه برسالته وكلّمك تكليما ؟ فقال له موسى : نعم ، فما الذي تريد يا هذا ، ومن أنت ؟ فقال إبليس : يا موسى ، قل لربك : خلق من خلقك قد سألك التوبة . فأوحى اللّه إلى موسى قل له : إني قد استجبت لك فيما سألت ، ومره يا موسى أن يسجد لقبر آدم ، فإذا سجد له قبلت توبته ، وغفرت له ذنوبه .

--> ( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 32 . ( 2 ) سورة الأعراف ، الآية : 23 . ( 3 ) سورة الزّمر ، الآية : 53 .