الغزالي
482
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
ونحري « 1 » ، وجمع اللّه بين ريقي وريقه عند الموت ، فدخل عليّ أخي عبد الرحمن وبيده سواك ، فجعل ينظر إليه ، فعرفت أنه يعجبه ذلك فقلت له : آخذه لك ؟ فأومأ برأسه أي نعم ، فناولته إياه فأدخله في فيه ، فاشتد عليه ، فقلت : أليّنه لك ؟ فأومأ برأسه أي نعم ، فلينته . وكان بين يديه ركوة ماء فجعل يدخل فيها يده ، ويقول : « لا إله إلا اللّه إن للموت سكرات » ثم نصب يده يقول : « الرفيق الأعلى ، الرفيق الأعلى » فقلت : إذا واللّه لا يختارنا . وروى سعيد بن عبد اللّه عن أبيه قال : لما رأت الأنصار أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يزداد ثقلا أطافوا بالمسجد فدخل العباس رضي اللّه عنه على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأعلمه بمكانهم وإشفاقهم ، ثم دخل عليه الفضل فأعلمه بمثل ذلك ، ثم دخل عليه عليّ رضي اللّه عنه فأعلمه بمثله ، فمد يده . وقال : « ها » فتناولوه ، فقال : « ما تقولون ؟ » قالوا : نخشى أن تموت . وتصايح نساؤهم لاجتماع رجالهم إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فسار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فسار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فخرج متوكئا على عليّ والفضل ، والعباس أمامه ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم معصوب الرأس يخط برجليه ، حتى جلس على أسفل مرقاة من المنبر ، وثاب الناس إليه ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، وقال : « أيها الناس إنه بلغني أنكم تخافون عليّ الموت ، كأنه استنكار منكم للموت ، وما تنكرون من موت نبيكم ، ألم أنع إليكم وتنعى إليكم أنفسكم ؟ هل خلّد نبي قبلي فيمن بعث ؟ فأخلّد فيكم ، ألا إني لاحق بربي ، وإنكم لاحقون به ، وإني أوصيكم بالمهاجرين الأولين خيرا ، وأوصي المهاجرين فيما بينهم ، فإن اللّه عز وجل قال : وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا « 2 » وإن الأمور تجري بإذن اللّه . فلا يحملنكم استبطاء أمر على استعجاله ، فإن اللّه عز وجل لا يعجل لعجلة أحد ، ومن غالب اللّه غلبه ، ومن خادع اللّه خدعه فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ « 3 » . وأوصيكم بالأنصار خيرا فإنهم الذين تبوّؤا الدار والإيمان من قبلكم ، وأن تحسنوا
--> ( 1 ) سحري ونحري : السّحر : الرئة : أي أنه مات وهو مستند إلى صدرها ونحرها . ( 2 ) سورة العصر ، الآيات : 1 - 3 . ( 3 ) سورة محمد ، الآية : 22 .