الغزالي
470
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
وما أحسن قول القائل : لم لا أحبّ الضّيف أو * أرتاح من طرب إليه ؟ والضيف يأكل رزقه * عندي ويشكرني عليه ومن كلام الحكماء : لا تتمّ الصنيعة « 1 » إلّا بطلاقة الوجه ، وحسن الحديث ، ولطف اللقاء . وقال آخر : أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله * ويخصب « 2 » عندي والمحلّ جديب وما الخصب للأضياف في كثرة القرى * ولكنّما وجه الكريم خصيب فينبغي للداعي أن يعمد بدعوته الأتقياء دون الفسّاق . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أكل طعامك الأبرار » في دعائه لبعض من دعا له . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تأكل إلّا طعام تقيّ ، ولا يأكل طعامك إلّا تقيّ » ويقصد الفقراء دون الأغنياء على الخصوص . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « شرّ الطعام طعام الوليمة ، يدعى إليها الأغنياء دون الفقراء » . وينبغي ألّا يهمل أقاربه في ضيافته ، فإن إهمالهم إيحاش وقطع رحم ، وكذلك يراعي الترتيب في أصدقائه ومعارفه ، فإن في تخصيص البعض إيحاشا لقلوب الباقين » . وينبغي ألّا يقصد بدعوته المباهاة والتفاخر ، بل استمالة قلوب الإخوان والتسنّن بسنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في اطعام الطعام ، وإدخال السرور على قلوب المؤمنين ، وينبغي ألّا يدعو من يعلم أنه يشقّ عليه الإجابة ، وإذا حضر تأذّى بالحاضرين بسبب من الأسباب ، وينبغي ألّا يدعو إلا من يحبّ اجابته . قال سفيان : من دعا أحدا إلى طعام وهو يكره الإجابة ، فعليه خطيئة ، فإن أجاب المدعوّ فعليه خطيئتان ؛ لأنّه حمله على الأكل مع كراهة ، ولو علم ذلك لما كان يأكله .
--> ( 1 ) الصنيعة : هي كل ما عمل من خير أو إحسان . ( 2 ) يخصب : أي يكثر العشب والكلأ .