الغزالي
446
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
فعل ذلك كثير من السلف الصالح صحابي وتابعي بإحسان . وقال : ولم يزل الحجازيون عندنا بمكّة يسمعون السماع في أفضل أيام السنة ، وهي الأيام المعدودات التي أمر اللّه عباده فيها بذكره كأيام التشريق ، ولم يزل أهل المدينة مواظبين كأهل مكّة على السماع إلى زماننا هذا . فأدركنا أبا مروان القاضي وله جوار يسمعن الناس التلحين ، قد أعدّهن للصوفية ، قال : وكان لعطاء جاريتان يلحنان ، فكان إخوانه يستمعون إليهما . قال : وقيل لأبي الحسن بن سالم : كيف تنكر السماع وقد كان الجنيد ، وسري السقطي ، وذو النون يستمعون ؟ فقال : وكيف أنكر السماع ؟ وقد أجازه وسمعه من هو خير منّي ، فقد كان عبد اللّه بن جعفر الطيّار يسمع ، وإنما أنكر اللهو واللعب في السماع . وروي عن يحيى بن معاذ أنه قال : فقدنا ثلاثة أشياء فما نراها ، ولا أراها تزداد إلّا قلّة : حسن الوجه مع الصيانة ، وحسن القول مع الديانة ، وحسن الإخاء مع الوفاء ، ورأيت هذا في بعض الكتب محكيا بعينه عن الحارث المحاسبي ، وفيه ما يدلّ على تجويزه السماع مع زهده وتصاونه ، وجدّه في الدين وتشميره ، قال : وكان ابن مجاهد لا يجيب دعوة إلّا أن يكون فيها سماع . وحكى غير واحد أنه قال : اجتمعنا في دعوة ومعنا أبو القاسم ابن بنت منيع ، وأبو بكر بن داود ، وابن مجاهد في نظرائهم ، فحضر سماع فجعل ابن مجاهد يحرّض ابن بنت منيع على ابن داود في أن يسمع . فقال ابن داود : حدّثني أبي عن أحمد بن حنبل أنه كره السماع ، وكان أبي يكرهه ، وأنا على مذهب أبي . فقال أبو القاسم ابن بنت منيع : أما جدك أحمد ابن بنت منيع فحدّثني عن صالح بن أحمد ، أن أباه كان يسمع قول ابن الخبازة . فقال مجاهد لابن داود : دعني أنت من أبيك ، وقال لابن بنت منيع : دعني أنت من جدك ، أيّ شيء تقول يا أبا بكر فيمن أنشد بيت شعر أهو حرام ؟ فقال ابن داود : لا . قال : فإن كان حسن الصوت حرم عليه إنشاده ؟ قال : لا . قال : فإن أنشده وطوّله وقصّر منه الممدود ، ومدّ منه المقصور ، أيحرم عليه ؟ قال : أنا لم أقو لشيطان واحد فكيف أقوى لشيطانين ؟ . قال وكان أبو الحسن العسقلاني الأسود من الأولياء يسمع ويوله عند السماع ، وصنّف فيه كتابا ، وردّ فيه على منكريه ، وكذلك جماعة منهم صنّفوا في الردّ على منكريه .