الغزالي

443

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

97 - باب : في مكر الشيطان قال رجل للحسن : يا أبا سعيد ، أينام الشيطان ؟ فتبسّم وقال : لو نام لاسترحنا . فإذا لا خلاص للمؤمن منه ، نعم له سبيل إلى دفعه ، وتضعيف قوته ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن المؤمن ينضي شيطانه كما ينضي أحدكم بعيره ، في سفره » . وقال ابن مسعود : شيطان المؤمن مهزول « 1 » . وقال قيس بن الحجّاج : قال لي شيطاني : دخلت فيك وأنا مثل الجزور « 2 » ، وأنا الآن مثل العصفور ، قلت : ولم ذاك ؟ قال : تذيبني بذكر اللّه تعالى . فأهل التقوى لا يتعذّر عليهم سدّ أبواب الشيطان ، وحفظها بالحراسة ، أعني : الأبواب الظاهرة ، والطرق الجلية ، التي تفضي إلى المعاصي الظاهرة ، وإنّما يتعثرون في طرقه الغامضة ، فإنهم لا يهتدون إليها فيحرسونها ، لأن الأبواب المفتوحة إلى القلب للشيطان كثيرة ، وباب الملائكة باب واحد ، وقد التبس ذلك الباب الواحد بهذه الأبواب الكثيرة ، فالعبد فيها كالمسافر الذي يبقى في بادية كثيرة الطرق ، غامضة المسالك ، في ليلة مظلمة ، فلا يكاد يعلم الطريق إلّا بعين بصيرة ، وطلوع شمس مشرقة ، والعين البصيرة ههنا هي القلب المصفّى بالتقوى ، والشمس المشرقة هي العلم الغزير المستفاد من كتاب اللّه تعالى ، وسنّة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيما يهتدي به إلى غوامض طرقه ، وإلا فطرقه كثيرة وغامضة . قال عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه : خطّ لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوما خطا وقال : « هذا سبيل اللّه » ثم خطّ خطوطا عن يمين الخطّ وعن شماله ، ثمّ قال : « هذه سبل على كلّ سبيل منها شيطان ، يدعو إليه » ثم تلا : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ « 3 » .

--> ( 1 ) مهزول : ضعيف . ( 2 ) الجزور : الإبل . ( 3 ) سورة الأنعام ، الآية : 153 .