الغزالي
403
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
القبور ، وحجّ حجة لعظائم الأمور ، وتصدّق بصدقة على مسكين ، أو كلمة حق تقولها ، أو كلمة شر تسكت عنها » . وروي : أنه كان على عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم رجل إذا أخذ الناس مضاجعهم ، وهدأت « 1 » العيون ، قام يصلي ويقرأ القرآن ، ويقول : يا رب النار أجرني منها . فذكر ذلك للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « إذا كان ذلك فآذنوني » فأتاه فاستمع ، فلما أصبح قال : « يا فلان هلا سألت اللّه الجنة ؟ » فقال : يا رسول اللّه إني لست هناك ، ولا يبلغ عملي ذاك . فلم يلبث إلا يسيرا حتى نزل جبريل عليه السلام وقال : أخبر فلانا أن اللّه قد أجاره من النار ، وأدخله الجنة . ويروى أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : نعم الرجل ابن عمر لو كان يصلي بالليل . فأخبره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك فكان يداوم بعده على قيام الليل . قال نافع : كان يصلّي بالليل ثم يقول : يا نافع أسحرنا « 2 » ؟ فأقول : لا . . فيقوم لصلاته ، ثم يقول : يا نافع أسحرنا ؟ فأقول : نعم . فيقعد فيستغفر اللّه تعالى ، حتى يطلع الفجر . وقال علي بن أبي طالب : شبع يحيى بن زكريا عليهما السلام ليلة من خبز شعير ، فنام عن ورده ، حتى أصبح ، فأوحى اللّه تعالى إليه : يا يحيى أوجدت دارا خيرا لك من داري ؟ أم وجدت جوارا خيرا لك من جواري ؟ فوعزتي وجلالي يا يحيى لو اطلعت إلى الفردوس اطلاعة « 3 » لذاب شحمك ، ولزهقت نفسك اشتياقا ، ولو اطّلعت إلى جهنم اطّلاعة لذاب شحمك ، ولبكيت الصديد بعد الدموع ، وللبست الجلد بعد المسوح . وقيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إن فلانا يصلي بالليل ، فإذا أصبح سرق . فقال : « سينهاه ما يعمل » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « رحم اللّه رجلا قام من الليل يصلي ، ثم أيقظ امرأته فصلّت ، فإن أبت نضح في وجهها الماء » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « رحم اللّه امرأة قامت من الليل فصلّت ، ثم أيقظت زوجها فصلّى ، فإن أبى نضحت في وجهه الماء » .
--> ( 1 ) هدأت : نامت . ( 2 ) أسحرنا : أي حان وقت السحر . ( 3 ) إطّلاعه : نظرة فاحصة .