الغزالي

396

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

وخرجت معه حتى دخل حائطا « 1 » ، فسمعته يقول - وبيني وبينه جدار وهو الحائط - : عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخ بخ ، واللّه لتتقينّ اللّه ، أو ليعذبنّك . وقال الحسن في قوله تعالى : وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ « 2 » . قال : لا يلفى المؤمن إلا يعاتب نفسه ماذا أردت بكلمتي ؟ ماذا أردت بأكلتي ؟ ماذا أردت بشربتي ؟ والفاجر يمضي قدما ، لا يعاتب نفسه . وقال مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى : رحم اللّه عبدا قال لنفسه : ألست صاحبة كذا ؟ ألست صاحبة كذا ؟ ثم ذمّها . ثم خطمها . ثم ألزمها كتاب اللّه تعالى . فكان لها قائدا . وهذا من معاتبة النفس . وقال ميمون بن مهران : التّقي أشدّ محاسبة لنفسه من سلطان غاشم ، ومن شريك شحيح . وقال إبراهيم التيمي : مثّلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها ، وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها . ثم مثّلت نفسي في النار آكل من زقومها ، وأشرب من صديدها ، وأعالج سلاسلها وأغلالها ، فقلت لنفسي : يا نفس أي شيء تريدين ؟ فقالت : أريد أن أردّ إلى الدنيا فأعمل صالحا . قلت : فأنت في الأمنية ، فاعملي . قال مالك بن دينار : سمعت الحجّاج يخطب ، وهو يقول : رحم اللّه إمرءا حاسب نفسه قبل أن يصير الحساب إلى غيره ، رحم اللّه أمرءا أخذ بعنان عمله ، فنظر ماذا يريد به رحم اللّه أمرءا نظر في مكياله ، رحم اللّه امرءا نظر في ميزانه . فما زال يقول حتى أبكاني . وحكى صاحب للأحنف بن قيس قال : كنت أصحبه فكان عامّة صلاته بالليل الدعاء ، وكان يجيء إلى المصباح ، فيضع إصبعه فيه حتى يحس بالنار ، ثم يقول لنفسه : يا حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا ؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا ؟

--> ( 1 ) حائط : بستان . ( 2 ) سورة القيامة ، الآية : 2 .