الغزالي

379

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

جميع الأنام . فيتولّد من قلة الطعام موت الشهوات ، ومن قلة المنام صفو الإرادات ، ومن قلة الكلام السلامة من الآفات ، ومن احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات . وليس على العبد شيء أشدّ من الحلم « 1 » عند الجفاء ، والصبر على الأذى ، وإذا تحركت من النفس إرادة الشهوات والآثام ، وهاجت منها حلاوة وفضول الكلام ، جردت عليها سيوف قلة الطعام من غمد التهجد وقلة المنام ، وضربتها بأيدي الخمول ، وقلة الكلام حتى تنقطع عن الظلم والانتقام . فتأمن من بوائقها من بين سائر الأنام ، وتصفيها من ظلمة شهواتها ، فتنجو من غوائل آفاتها ، فتصير عند ذلك نظيفة ونورية خفيفة روحانية ، فتجول في ميدان الخيرات ، وتسير في مسالك الطاعات ، كالفرس الفاره في الميدان ، وكالملك المتنزه في البستان . وقال أيضا : أعداء الإنسان ثلاثة : دنياه ، وشيطانه ، ونفسه . فاحترس من الدنيا بالزهد فيها ، ومن الشيطان بمخالفته ، ومن النفس بترك الشهوات . وقال بعض الحكماء : من استولت عليه النفس صار أسيرا في حب شهواتها ، محصورا في سجن هواها ، مقهورا مغلولا ، زمامه في يدها ، تجره حيث شاءت ، فتمنع قلبه من الفوائد . وقال جعفر بن حميد : أجمعت العلماء والحكماء على أن النعيم لا يدرك إلا بترك النعيم . وقال أبو يحيى الوراق : من أرضى الجوارح بالشهوات ، فقد غرس في قلبه شجر الندامات . وقال وهيب بن الورد : ما زاد عن الخبز فهو شهوة . وقال أيضا : من أحب شهوات الدنيا ، فليتهيأ للذل . ويروى أن امرأة العزيز قالت ليوسف عليه السلام بعد أن ملك خزائن الأرض وقعدت له على رابية الطريق في يوم موكبه ، وكان يركب في زهاء اثني عشر ألفا من عظماء مملكته : سبحان من جعل الملوك عبيدا بالمعصية ، وجعل العبيد ملوكا بطاعتهم له ، إن الحرص والشهوة صيّرا الملوك عبيدا . وذلك جزاء المفسدين . وإن الصبر

--> ( 1 ) الحلم : الأناة وضبط النفس .