الغزالي
34
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
من شرابها صبّ على ماء الأرض جميعه لقتل من ذاقه ، ولو أن ذراعا من السلسلة التي ذكرها اللّه تعالى بقوله : فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً « 1 » كل ذراع طوله من المشرق إلى المغرب ، ولو وضع على جبال الدنيا لذابت ، ولو أن رجلا دخل النار ثم أخرج منها لمات أهل الأرض من نتن ريحه » . وسأل صلّى اللّه عليه وسلّم جبريل فقال : « يا جبريل صف لي أبواب جهنم ، أهي كأبوابنا هذه ؟ فقال : يا رسول اللّه ، لا ولكنها طباق بعضها أسفل من بعض ، من الباب إلى الباب مسيرة سبعين سنة ، كلّ باب منها أشد حرّا من الذي يليه بسبعين ضعفا » . وسأله أيضا عن سكان هذه الأبواب فقال : « أما الأسفل ففيه المنافقون ، واسمه الهاوية ، كما قال اللّه تعالى : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ « 2 » والباب الثاني فيه المشركون ، واسمه الجحيم ، والباب الثالث فيه الصابئون ، واسمه سقر ، والباب الرابع فيه إبليس عليه اللعنة ، ومن تبعه من المجوس ، واسمه لظى ، والباب الخامس فيه اليهود ، واسمه الحطمة ، والباب السادس فيه النصارى ، واسمه السعير » . ثم أمسك جبريل عليه السلام ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لم تخبرني عن سكان الباب السابع ؟ فقال جبريل : يا محمد لا تسألني عنه . فقال له : أخبرني عنه . فقال : فيه أهل الكبائر من أمتك الذين ماتوا ولم يتوبوا » . روي أنه لما نزل قوله تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها « 3 » اشتد خوفه صلّى اللّه عليه وسلّم على أمته وبكى بكاء شديدا . فالعارف باللّه وبشدة سطوته وقهره يخافه خوفا شديدا ويبكي على نفسه وتفريطه قبل أن يرى هذه الشدائد ويعاين هذه الدار المخوفة المهولة ، وقبل أن تنتهك الأستار ويعرض على المنتقم الجبار ويؤمر به إلى النار ، فكم من شيخ ينادي في النار : وا شيبتاه ! وكم من شاب ينادي : وا شباباه ! وكم من امرأة في النار تنادي : وا فضيحتاه ! واهتك ستراه ! وقد استودّت وجوههم وأجسادهم ، وانكسرت ظهورهم ، فلا يكرم كبيرهم ولا يرحم صغيرهم ، ولا تستر نساؤهم . اللهم أجرنا من النار ، ومن عذاب النار ، ومن كل
--> ( 1 ) سورة الحاقة ، الآية : 32 . ( 2 ) سورة النساء ، الآية : 145 . ( 3 ) سورة مريم ، الآية : 71 .