الغزالي

327

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

63 - باب : في فضل الصلوات لما كانت الصلاة أفضل العبادات ، كرّرنا الحثّ عليها اقتداء بكتاب اللّه العزيز ، فما ورد في فضلها زيادة على ما تقدّم ، قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما أعطي عبد عطاء خيرا من أن يؤذن له في ركعتين يصليهما » . قال محمد ابن سيرين رحمه اللّه تعالى : لو خيّرت بين ركعتين وبين الجنّة لاخترت الركعتين على الجنة ؛ لأنّ في الركعتين رضا اللّه تعالى ، وفي الجنّة رضائي . ويقال : إن اللّه تعالى لما خلق سبع سماوات حشاها « 1 » بالملائكة ، وتعبّدهم بالصلاة لا يفترون « 2 » ساعة ، فجعل لكلّ أهل سماء نوعا من العبادة ، فأهل سماء قيام على أرجلهم إلى نفخة الصور ، وأهل سماء ركّع ، وأهل سماء سجّد ، وأهل سماء مرخية الأجنحة من هيبته تعالى ، وأهل علّيين وأهل العرش وقوف ، يطوفون حول العرش ، يسبّحون بحمد ربّهم ويستغفرون لمن في الأرض ، فجمع اللّه ذلك كلّه في صلاة واحدة كرامة للمؤمنين ، حتى يكون لهم حظّ من عبادة أهل كلّ سماء ، وزادهم القرآن يتلونه فيها ، فطلب منهم شكرها ، وشكرها إقامتها بشرائطها وحدودها ، قال اللّه تعالى : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ « 3 » وقال : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ « 4 » وقال : وَأَقِمِ الصَّلاةَ « 5 » وقال : وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ « 6 » . فلم تجد ذكر الصّلاة في موضع من التنزيل ، إلّا مع ذكر إقامتها ، فلمّا بلغ ذكر

--> ( 1 ) حشاها : ملأها بالملائكة . ( 2 ) لا يفترون : لا يملّون ولا يتعبون . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 3 . ( 4 ) سورة البقرة ، الآية : 43 . ( 5 ) سورة هود ، الآية : 114 . ( 6 ) سورة النساء ، الآية : 162 .