الغزالي
32
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
7 - باب : في نسيان اللّه تعالى والفسق والنفاق جاءت امرأة إلى الحسن البصري رضي اللّه عنه فقالت : إنه كانت ابنة شابة فماتت وأحببت أن أراها في المنام فجئتك كي تعلمني ما أستعين به على رؤيتها ، فعلمها فرأتها وعليها لباس من قطران ، وفي عنقها الغل ، وفي رجلها القيد ، فأخبرت الحسن بذلك فأغتم ، ومضت مدة ثم رآها الحسن في الجنة ، وعلى رأسها تاج فقالت يا حسن : أما تعرفني ، ابنة المرأة التي أتتك وقالت لك كذا ، فقال لها ما الذي صيّرك إلى ما أرى ؟ قالت مر بنا رجل فصلى على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مرة ، وكان في المقبرة خمسمائة وخمسون إنسانا في العذاب فنودي ارفعوا العذاب عنهم ببركة صلاة هذا الرجل . بصلاة رجل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أصابتهم المغفرة فمن يصلي عليه منه خمسين سنة أفلا يجد شفاعته يوم القيامة . قال اللّه تعالى : وَلا تَكُونُوا أي في المعصية كَالَّذِينَ يعني المنافقين الذين نَسُوا اللَّهَ « 1 » يعني تركوا أمر اللّه وفعلوا خلافه وتلذذوا بشهوات الدنيا وركنوا إلى غرورها . وسئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن المؤمن والمنافق فقال : « إن المؤمن همّه في الصلاة والصيام ، والمنافق همّه في الطعام والشراب » كالبهيمة وترك العبادة والصلاة ، والمؤمن مشغول بالصدقة وطلب المغفرة ، والمنافق مشغول بالحرص والأمل ، والمؤمن آيس من كل أحد إلا من اللّه ، والمنافق راج كلّ أحد إلا اللّه ، والمؤمن يقدم ماله دون دينه ، والمنافق يقدم دينه دون ماله ، والمؤمن آمن من كلّ أحد إلا من اللّه ، والمنافق خائف من كل أحد إلا من اللّه ، والمؤمن يحسن ويبكي ، والمنافق يسيء ويضحك ، والمؤمن يحب الوحدة والخلوة ، والمنافق يحب الخلطة والملأ ، والمؤمن يزرع ويخشى الفساد ، والمنافق يقلع ويرجو الحصاد ، والمؤمن يأمر وينهى سياسة دينية ويصلح ، والمنافق يأمر وينهى رياسة ويفسد ، بل يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف كما قال اللّه تعالى :
--> ( 1 ) سورة الحشر ، الآية : 19 .