الغزالي
305
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
وقال عمر رضي اللّه عنه : لا تكونوا جبابرة العلماء ، فلم يف علمكم بجهلكم . روي أن رجلا من بني إسرائيل يقال له : خليع بني إسرائيل لكثرة فساده ؛ مرّ برجل آخر يقال له : عابد بني إسرائيل . وكان على رأس العابد غمامة تظلّه ، فلمّا مرّ الخليع به . قال الخليع في نفسه : أنا خليع بني إسرائيل ، وهذا عابد بني إسرائيل ، فلو جلست إليه لعل اللّه يرحمني ، فجلس إليه . فقال العابد . أنا عابد بني إسرائيل وهذا خليع بني إسرائيل ، فكيف يجلس إلي ؟ فأنف منه . وقال له : قم عني فأوحى اللّه إلى نبي ذلك الزمان . مرهما فليستأنفا العمل ، فقد غفرت للخليع ، وأحبطت عمل العابد . وفي رواية أخرى : فتحوّلت الغمامة إلى رأس الخليع . وهذا يعرّفك أن اللّه تعالى إنّما يريد من العباد قلوبهم . روي أن رجلا ذكر بخير للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فأقبل ذات يوم ، فقالوا : يا رسول اللّه هذا الذي ذكرناه لك . فقال : « إني أرى في وجهه سفعة من الشيطان » فسلّم ، ووقف على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « أسألك باللّه حدّثتك نفسك أن ليس في القوم أفضل منك ؟ » قال : اللّهمّ نعم . فرأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بنور النبوّة ما استكنّ في قلبه سفعة في وجهه . قال الحارث بن جزء الزبيدي صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : يعجبني من القرّاء كلّ مضحاك ، فأمّا الذي تلقاه ببشر ، ويلقاك بعبوس يمنّ عليك بعلمه ، فلا أكثر اللّه في المسلمين مثله . روي عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه أنه قال : قاولت رجلا عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت له : يا ابن السوداء . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « يا أبا ذر ، طفّ الصاع ، طفّ الصاع ، ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل » فقال أبو ذر رحمه اللّه : فاضطجعت ، وقلت للرجل : قم ، فطأ على خدّي . وقال عليّ كرّم اللّه وجهه : من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار ، فلينظر إلى رجل قاعد وبين يديه قوم قيام . وقال أنس : لم يكن شخص أحبّ إلى أصحابه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له ، لما يعلمون من كراهته لذلك .